ثورة أهل المدينة على يزيد ين معاوية، (وقعة الحرة)
ثورة
أهل المدينة على يزيد ين معاوية، (وقعة الحرة)
ثار أهل المدينة على الخليفة الأموي، يزيد
بن معاوية، سنة 63هـ/682م. فطردوا عامله عليها، وسائر الأمويين، منها، ومن ثم أعلنوا
خلعه، وعينوا عليهم عبدالله بن مطيع العدوي، (داعية ابن الزبير)، وعبدالله بن
حنظلة الغسيل(1).
اختلف المؤرخون في أسباب ثورة أهل
المدينة وخروجهم على يزيد! فقد ذكرت بعض
المصادر، أن سبب الثورة، كان يتعلق بشخصية يزيد، وما ذُكر عنها من فسق وفساد؛ وما
كان من جوره، وجور عماله(2).
لكن هذه الأسباب غير دقيقة؛ لأن يزيد
تولى الحكم سنة60هـ/ 679م. والوقعة كانت سنة 63هـ/682م؛ فلماذا ثاروا عليه، بعد
ثلاث سنوات من حكمه؟ وقد كانوا موالين له طول تلك المدة؟ (3). ومما
يزيد هذا الاتجاه قوة، أن العديد من علماء الصحابة بالمدينة، أنكروا على أهل
المدينة، خروجهم على يزيد، ومن هؤلاء الصحابي الجليل، عبدالله بن عمرt، واعتبر أن هذا من الغدر المنهي عنه، وحذرهم من الخروج (4).
أما الأسباب الأكثر دقة، التي أوردتها
المصادر، فهي أن ثورة أهل المدينة على يزيد؛ كانت بسبب جباية المال. فقد ذكرت
الروايات، أن أهل المدينة مرت عليهم ضائقة؛ فرفضوا إعطاء الأموال التي كانت تعطى كل
عام لابن مينا عامل معاويةt،
الذي كان يجبي أمواله، فتدخل والي المدينة، لإقناعهم بالدفع، فصارت بينهم مشادّات
ومناوشات؛ اضطر والي المدينة بسببها إخبار الخليفة يزيد بالشام(5).
قام الخليفة يزيد، بعمل سلمي، قبل أي
تصرف عسكري، فأرسل إليهم الصحابي الجليل النعمان بن بشير الأنصاري t، يناصحهم ويحذرهم؛ إلا أنهم رفضوا(6). فأرسل لهم يزيد جيشاً
بقيادة مسلم بن عقبة المري، وطلب منه إمهال أهل المدينة، ثلاثة أيام، لكنهم رفضوا
الاستسلام، فحدثت المعركة المعروفة بموقعة الحرة الشهيرة، التي انهزم فيها جيش
المدينة، قبل أن ينتهي النهار. فقام مسلم وجنوده، بأعمال عنيفة ضد الصحابة
وأبنائهم. ومسلم بن عقبة هذا، سمته المصادر (مسرفاً)؛ لإسرافه في سفك الدماء
بالمدينة(7).
وقد أشارت العديد من المصادر، إلى أن
الجيش الأموي، أباح المدينة لجنوده، ثلاثة أيام. وذكرت حوادث السلب والنهب،
والقتل. وقد بالغت بعض المصادر المتعصبة في إشارتها إلى السبي وفعل الفواحش؛ كما
هو عند اليعقوبي والمسعودي، المشهورين بالتشيع والوضع على بني أمية (8).
لكن المحللين والناقدين لروايات
الإباحة، أثبتوا ضعفها، وشككوا فيها، خاصة وأنها وردت عن رواة اشتهروا بالتشيع(9)،
كأبي مخنف الراوية المتشيع المحترق (الغالي في التعصب)، الكذاب، كما يقول علماء
الجرح(10).
ويقوي
ضعف الروايات القائلة بإباحة المدينة، أن هناك روايات أشارت إلى الحادثة، دون ذكر
الاستباحة(11),
لكن ذلك لا يعني نفي سفك الدماء من قبل الجيش
الأموي. وعلى كل حال، هناك دراسات جادة، تحدثت عن روايات الاستباحة، وبينت الصحيح
من الضعيف(12).
إلا أ ما يقال من استباحة الجيش الأموي
للنساء والذراري. وفض البكارات، كل ذلك من الأكاذيب التي جاءت من مصادر غير
موثوقة، ولا يمكن قبولها.
لكن يظل تعامل الجيش الأموي مع أهل
المدينة عملا غير مبرر، لا يتناسب مع قداسة المكان، ولا مع مكانة القوم. وكان يمكن
البعد عن الصدام العسكري.
الهوامش
1. خياط،
خليفة، تاريخ خليفة بن خياط، تحقيق: أكرم العمــري، ط2 (الرياض: دار طيبة،
1405هـ/ 1985م)، 237-238 ؛ ابن كثير، إسماعيل بن عمر البداية والنهاية
، تحقيق: أحمد أبو ملجـم وآخرون، جـ8 ( بيروت : دار الكتب العلمية ، د.ت)،
220-222؛ الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، تحقيق: شعيب
الأرناؤوط، ط8، جـ3 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1412هـ/1992م)، 321 – 325.
2. خياط،
237؛ الطبري، محمد بن جرير، تاريخ
الرسل والملوك، تحقيق: أبو الفضل إبراهيم، ط 4، جـ5 (القاهرة: دار المعارف، دت
)، 48؛ المسعودي، علي بن الحسين، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق: محمد
محي الدين عبدالحميد، جـ3 (بيروت: دار المعرفة، د.ت)، 78.
3. العقيلي،
160.
4. ابن
حجر، أحمد بن علي، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، تحقيق: محب الدين الخطيب
ومحمد فؤاد عبدالباقي، جـ12 (القاهرة: دار الريان، 1407هـ/ 1987م)، 287.
5. اليعقوبي،
أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر، تاريخ اليعقوبي، جـ2( بيروت: دار صادر، د.ت)، 250؛ التميمي، أبو العرب محمد، المحن، تحقيق:
يحيى الجبوري، ط2(بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1408هـ/ 1988م)، 159 -161؛ ابن سعد،
محمد بن سعد،الطبقات الكبرى، تحقيق: محمد عبدالقادر عطا، جـ5( بيروت: دار
الكتب العلمية، 1410هـ/ 1990م)، 111.
6. ابن
سعد، جـ5، 111؛ التميمي، المحن، 159 -161.
7. خليفة
بن خياط، 237-238 ؛ المسعودي، جـ3، 78- 79؛ ابن كثير، جـ8، 220-222.
8. اليعقوبي،
جـ2، 250؛ الطبري، جـ5، 491؛ المسعودي، جـ3، 78-80.
9. للاستزادة، انظر: حمد العرينان، إباحة
المدينة وحرق الكعبة في عهد يزيد بين المصادر القديمة والحديثة، مجلة كلية
الآداب ، جامعة الرياض، مج5، الرياض، 1977- 1978م؛ العقيلي، عمر سليمان، وقعة
الحرة في عهد يزيد بن معاوية، مجلة كلية الآداب، جامعة الملك سعود، مج 5،
الرياض، 1977- 1978م، 175.
10.
انظر: الذهبي، جـ 7،
301-302.
11.
انظر هذه الروايات في:
الطبري، جـ5، 491.
12.
الأقصم، إبراهيم، الدولة
الأموية في كتابات المسعودي (جدة: دار المجتمع، 1424هـ/2003 م)، 128 – 132؛
العقيلي، 160 – 170.
إعداد : د. إبراهيم بن يوسف الأقصم/ جدة
باحث
في موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة
تعليقات
إرسال تعليق