ثورة عبدالله بن الزبير رضي الله عنه

 

ثورة عبدالله بن الزبير t:

 

في أوائل سنة 64هـ/683م، ثار عبدالله بن الزبير t على الأمويين، في عهد يزيد بن معاوية، وسيطر على مكة؛ ومن ثم سيطر على الحجاز كله، وغيره من الأقاليم. وسبق أن كتبت هذا الموضوع بتوسع في كتابي: (الدولة الأموية) ط: 1424هـ

وباختصار؛ فقد اختلف المؤرخون في الأسباب التي أدت إلى ثورة ابن الزبير، وخروجه على يزيد ؟ فأشار بعضهم، إلى أن سبب ثورته؛ كان لفسق يزيد وجوره (1).

كما ذكرت العديد من الروايات والمصادر أن سبب ثورة ابن الزبير، كان لتطلعه للحكم؛ لأنه كان يرى أنه أحق من يزيد، الذي تولى الحكم بغير حق – أي بنظام الوراثة التي استحدث لأول مرة في الإسلام-.

وقيل: إن من أسباب ثورة ابن الزبير رغبته في جعل الأمر شورى بين المسلمين. وذهبت بعض الروايات إلى أن أسباب ثورة ابن الزبير كانت لما حدث من قتل للحسين t، الذي استشهد في كربلاء عام 63هـ/682م؛ ولما أحدثه جيش الأمويين في موقعة الحرة بالمدينة من سفك للدماء... في أواخر سنة 63هـ

 كل هذه العوامل والأسباب لابد أن تؤخذ في الحسبان، عند الحديث عن تلك الثورة. فلم يخرج ابن الزبير، إلا وقد كانت الأمور تغلي في الحجاز؛ بدليل تلك النصرة الهائلة التي وجدها منهم، بعد أن مهد له الطريق، داعيته، عبدالله بن مطيع العدوي (2).

 

قام الأمويون بإرسال جيش بقيادة الحُصين بن نُمير، وكان قد خلف مسلم بن عقبة، الذي مات بعد وقعة الحرة، في الطريق بين مكة والمدينة. فقام الجيش الأموي بمحاصرة مكة، ونتج عن ذلك الحصار أن احترقت الكعبة، وسقطت بعض مبانيها، بسبب قيام الجيش الأموي برمي الكعبة بالمنجنيق، كما تقول بعض الروايات (3).

لكن الروايات الأكثر دقة، تذكر أن حادثة حريق الكعبة كانت بسبب شرارة نار، طارت بفعل الرياح الشديدة، من معسكر خيام ابن الزبير التي كانت بجوار الكعبة؛ فلامست كسوتها، فاحترقت، وتهدم جزء منها نتيجة ذلك الحريق(4).

في أثناء الحصار مات يزيد بن معاوية، وعاد الجيش الأموي، دون نصر يذكر؛ فأصبحت الفرصة مواتية لابن الزبير، في السيطرة على مكة، ثم على المدينة، فالحجـاز بأكمله، وامتد نفوذه إلى مصر والعراق، وأطراف الشام. وقد استمر حكمه من عام 64هـ إلى 73هـ /683-692م (5).

أصبح ابن الزبير، هو الخليفة الأحق، في نظر العديد من العلماء والمؤرخين، خاصة بعد تنازل الخليفة معاوية بن يزيد عن الحكم، وموته(6).

لكن الأمويين، بقيادة مروان بن الحكم، وحدوا كلمتهم، واستجمعوا قوتهم، واستعادوا بعض الأقاليم التي كانوا قد فقدوها، ومنها إقليم مصر. ثم جاء من بعده ابنه عبدالملك، فاستعاد إقليم العراق، بعد أن قضى على مصعب بن الزبير في معركة مسكن (7). ولم يبق لابن الزبير إلا الحجاز، فجرّد له عبدالملك، أعتى قواده، وهو الحجاج بن يوسف الثقفي، الذي حاصر مكة، مدة سبعة أشهر، تقريبا؛ تخلى خلالها العديد من أعوان ابن الزبير عنه، بسبب دور الحجاج في إغرائهم بالمال. وبعد الحصار الطويل ونقص المؤن، قام الجيش الأموي بالدخول على ابن الزبير. وبعد صراع، أظهر فيه ابن الزبير، قوة وثباتا وشجاعة، قُتِل، وتفرق جمعه. وبذلك تم إنهاء حكمه على الحجاز؛ وسيطر الأمويون على الحجاز من جديد، وكان ذلك عام 73هـ/ 692م(8).

خلال ذلك الحصار، ذكرت بعض المصادر أن الحجاج، كان قد أصدر أوامره للجيش برمي الكعبة بالمنجنيق، فتهدمت وتساقطت(9) إلا أن هذه الروايات ضعيفة أمام النقد التاريخي الموضوعي(10).لأن رمي المنجنيق لم يكن موجها للكعبة، بل كان موجها لفسطاط ابن الزبير في الحرم المكي والقريب من الكعبة. وهذا ليس تبريرا للحجاج المجمع على ظلمه وفسقه وسفكه للدماء(المبير) (11).

 


الهوامش

1. خياط، خليفة، تاريخ خليفة بن خياط، تحقيق: أكرم العمــري، ط2 (الرياض: دار طيبة، 1405هـ/ 1985م)،237؛ الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق: أبو الفضل إبراهيم، ط 4، جـ5 (القاهرة: دار المعارف، دت )، 48.

2. خياط، 251–252 ، 257- 258؛ الطبري، جـ5، 497؛ المسعودي، علي بن الحسين، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق: محمد محي الدين عبدالحميد، جـ3 (بيروت: دار المعرفة، د.ت)، 78- 80.

3. اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر، تاريخ اليعقوبي، جـ2( بيروت: دار صادر، د.ت)، 252؛ الطبري، جـ5، 498 رواية؛ المسعودي، جـ3، 81.

4. الأزرقي، محمد، أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار، تحقيق: رشدي ملحس، ط10، جـ1(مكة المكرمة، مكتبة الثقافة، 1423هـ/ 2002م)، 196- 199؛ الطبري، جـ5، 498- 499؛ رواية أخرى؛ للاستزادة عن حادثة حرق الكعبة ومروياتها، انظر: حمد العرينان، إباحة المدينة وحرق الكعبة في عهد يزيد بين المصادر القديمة والحديثة، مجلة كلية الآداب، جامعة الرياض، مج5، الرياض، 1977- 1978م، 91.

5. الطبري، جـ5، 530؛ ابن كثير، إسماعيل بن عمر البداية والنهاية ، تحقيق: أحمد أبو ملجـم وآخرون، جـ8 ( بيروت : دار الكتب العلمية ، د.ت)، 243-245.

6. انظر: ابن كثير، جـ8، 242، 345؛ شاكر، محمود، التاريخ الإسلامي (الدولة الأموية)، ط2، جـ 4 (بيروت: المكتب الإسلامي، 1405هـ/ 1985م)، 160.

7.   الطبري، جـ6، 151- 160 بتصرف.

8.   ابن خياط ، 251-252، 257-258 ؛ الطبري ، جـ5، 497 ؛ ابن كثير ، جـ8 ، 229.

9. اليعقوبي، جـ2، 266؛ الدينوري، أحمد بن داود، الأخبار الطوال، تحقيق: أحمد الزين، (بيروت: دار الفكر الحديث، 1988م)، 228.

10.   للاستزادة عن النقد والتحليل، لحادثة رمي الحجاج للكعبة بالمنجنيق، انظر: الشمري، هزاع عيد، الحجاج بن يوسف الثقفي، ط2 (الرياض: دار أمية، د.ت)، 153- 155.

11.    راجع كتابي: الأقصم، إبراهيم، الدولة الأموية في كتابات المسعودي (جدة: دار المجتمع، 1424هـ/2003 م)، 131- 137، حاشية: 113- 114.

 

 

إعداد : د. إبراهيم بن يوسف الأقصم/ جدة

باحث في موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مدرسة دار الحديث المدنية الأهلية الخيريه

قبيلة خُزاعة ودورها التاريخي