أهل الحَلُ والعَقْد
أهل الحَلُ والعَقْد،
الحل والعقد في اللغة، يعني الفك والفتح،
والربط، والضمان عند العرب(1). وهو لفظ يطلق على أهل الشوكة من العلماء
والوجهاء والرؤساء الذين يحصل بهم مقصود الولاية، وهو القدرة والتمكن، وهو مأخوذ
من عقد الأمور وحلها. وبالعموم؛ كلام الفقهاء في هذا المبحث، يرتكز إلى قواعد
المصالح المرسلة لتحقيق أفضل الوجوه الشرعية، ولا يمنع ذلك من استنباط طرق أخرى؛
إذا كانت تحقق المصلحة، ولا تعارض أصول الدين(2).
ومكانة أهل الحل والعقد؛ جاءت في كتاب
الله تعالى:{ يا أيها الذين آمنوا أطيعو الله ........................}(3)
وأولي الأمر: هم العلماء والولاة(4).
ترتبط باسم أهل الحل والعقد عدة ألفاظ
ذات صلة، منها: أهل الاختيار، وأهل الشورى، أهل الرأي والتدبير(5).
تظهر أهمية أهل الحل والعقد، في أن الإمامة تنعقد
بهم، والمعروف أن الإمامة تنعقد بوجهين، الأول: العهد من الخليفة السابق؛ كفعل أبي
بكر الصديق مع عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما. والوجه الآخر، هو إجماع أهل الحل
والعقد، وبمبايعة جمهور أهل الحل والعقد في كل بلد. واختلف الفقهاء في ذلك، وقد
بسط القول في هذه المسألة الإمامان الماوردي، والفراء، فقد ذكرا أن العلماء اختلفوا
في عدد من تنعقد بهم الإمامة على مذاهب شتى، فمنهم من يرى أن الإمامة لا تنعقد إلا
بالجمهور من كل بلد؛ وهذا القول مردود ببيعة أبي بكر الصديق، فقد تمت بيعته دون
النظر إلى من غاب عنها من الصحابة. ومنهم من رأى أن أقل عدد لأهل الحل هو خمسة
وشاهدهم في ذلك أن بيعة أبي بكر تمت على يد عمر وأبو عبيدة، وأسيد بن حضير، وبشر
بن سعد، وسالم مولي أبي حذيفة. رضي الله عنهم أجمعين والذين كانوا مجتمعين في
سقيفة بني ساعدة. وقد كان العدد الذي رشحه عمر بن الخطاب لاختيار خليفة كان سته،
لكن اختيار عثمان بن عفان كان من قبل خمسة أيضا(6).
ومن العلماء من اشترط أربعين، ومنهم من
اكتفى بواحد، والأرجح كما هو عند المحققون؛ أنه لا يوجد عدد معين لأهل الحل والعقد
تنعقد بهم الإمامة. كما لا يشترط بيعة جميع أهل الحل والعقد(7).
أبرز صفات أهل الحل والعقد؛ كما هي عند
الماوردي وأبي يعلى الفراء: العلم الذي من خلاله يتوصل إلى معرفة من يستحق الإمامة
على شروطها، والرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من أصلح للإمامة، والشرط الثالث:
هو العدالة (8). أما وظائف
أهل الحل والعقد فهي، اختيار الخليفة، وعقد البيعة له، كذلك التمييز بين المتقدمين
للإمامة، فإن تكافؤا المتقدمين، يحق لأهل الحل والعقد، الاختيار، أو عقد القرعة.
ومن وظائف أهل الحل والعقد، مبايعة الأنفع والأنسب للأمة حسب الظروف التي تعيشها
الأمة المسلمة، فإن كانت حالة الجهاد قائمة فيقدم الأشجع، وإن ظهرت البدع يقدم
الأعلم. ومن ضمن وظائفهم عزل الإمام في حالة حدوث مرض شديد لا يرجى برؤه، أو جنون،
أو وقع في أيدي الأعداء (9).
لم يظهر اسم أهل الحل والعقد مبكرا، لكن
معناه كان يمارس تحت اسم الشورى، أو أهل الاختيار، أو أولي الأمر(10)،
ويبدو أن ظهوره بشكل تنظيمي بارز، كان في
العهد الأموي؛ لاستحداث نظام الوراثة في الحكم، فانحصر دوره فيما بعد ذلك، في المبايعة
والتأييد، أوالعزل والإنابة(11).
وعلى كل حال؛ تباينت أدوار أهل الحل
والعقد، في العصور الإسلامية، حسب التغيرات السياسية والاجتماعية في المجتمع؛ ففي
العهد الراشدي؛ وعندما مات النبي r، ترك الأمر شورى بين المسلمين؛ ليختاروا لهم خليفة، فخرج وجهاء
الصحابة من المهاجرين والأنصار واجتمعوا في سقيفة بني ساعدة. وتشاوروا فيمن يتولى
الخلافة بعد رسول الله r، فكان من المهاجرين أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، ومن الأنصار، سعد بن
عبادة الأنصاري رضي الله عنهم أجمعين. فتمت مبايعة أبي بكر بالخلافة، رغم عدم
مبايعة سعد بن عبادة حينها (12).
عندما اشتد المرض بأبي بكر t، شاور كبار ووجهاء الصحابة من أهل الحل والعقد؛ في عمر فأثنوا
عليه خيرا، فعهد إليه بالأمر، وبايعوه على ذلك (13).
وعندما طعن عمر بن الخطاب t، أخذ يستشير، ووجهاء الصحابة من أهل الحل والعقد؛ فيمن يتولى
الأمر من بعده، فاختار ستة من الصحابة، ممن يرى أنهم أهل للولاية، كي يختاروا منهم
واحدا، في مدة أقصاها ثلاثة أيام، وهم: علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وعبد
الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله. وقد جعل
ابنه عبد الله منسقاً بينه وبين هؤلاء
الستة. ثم أمر الستة أن يجتمعوا، ويتشاورا فيمن يختارونه للخلافة(14).
بعد مقتل عثمان t، على يد الثوار الذين قدموا من العراق ومصر، دبت الفتنة بين
المسلمين، وبقيت المدينة تحت إمرة الغافقي بن حرب زعيم الثوار، واحتار أهل المدينة
في أمر من يتولى الخلافة، فالثوار الذين قتلوا عثمان سيطروا على المدينة، والصحابة
الكبار اعتزلوا الناس. وقد حاول الثوار أن يوجدوا خليفة للمسلمين فلم يفلحوا، وفي
نهاية المطاف، اتفق العديد من الصحابة، على تولية علي بالخلافة، بالرغم من اعتراضه
في بادئ الأمر(15).
ضعف دور أهل الحل والعقد في العهد
الراشدي؛ لأن كبار الصحابة خرجوا من المدينة بعد مقتل عثمان إلى مكة؛ للحج،
كالزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله، فاستعصى الأمر على علي، فنقل مركز الخلافة
للكوفة، حيث أنصاره، بالرغم من نصح ابنه الحسن له بالبقاء بالمدينة، وعدم الذهاب
للكوفة(16).
تأثر دور أهل الحل والعقد سلبا؛ فعندما حدث
الانقلاب السياسي، في العهد الأموي، كما يسميه ابن خلدون، فتحول نظام الحكم، من نظام
شوري، إلى نظام وراثي (ملكي). وبعد أن كانت المدينة مركز الثقل السياسي، أصبح
الشام والعراق، منافسين قويين في المكانة، إذ هاجرت إليهما معظم القبائل العربية،
واستوطنت بهما، بسبب حركة الفتوح الإسلامية، وهذه القبائل من القبائل القرشية
وفيها الصحابة، وأبناء المهاجرين والأنصار. كما أن نقل أمير المؤمنين مركز الخلافة
إلى الكوفة؛ ساهم في إضعاف موطن أهل الحل والعقد، بالمدينة، وعندما انتقل الحكم
للأمويين، أصبح الشام مركز قوة للأمويين، وفيها من أعيان الصحابة، ووجهاء الناس
ورؤساء القبائل، مما يجعلها تمارس الدور الذي كان يمارس في المدينة (17).
ولكن الأمر الذي يجب الالتفات إليه هو
حرص معاوية على رأي أهل المدينة؛ فقد ذكرت المصادر أنه ذهب للحجاز، لأخذ آراء كبار
الصحابة في بيعة ابنه يزيد (18).
في العهد العباسي، اهتم الخلفاء الأوائل
بأمر الحجاز، فقد كان الخلفاء العباسيون
حريصين على رأي أهل الحل والعقد مكة والمدينة، لما تمثله من ثقل سياسي، حيث كان
يستوطنه أبناء عمومتهم العلويون(19).
حرصت الدول الإسلامية عبر التاريخ على
الأخذ برأي أهل الحل والعقد بالحجاز وتأييدهم، وإعلان الولاء منهم، ولا شك أن هذا
الحرص كان مبنيا مكانة الحجاز الدينية والعلمية والثقافية والسياسية، وهناك شواهد
تاريخية تدعم ذلك، فمنابر الحرمين بالحجاز، يُدعى فيها للخليفة؛ ولم يكن يتجاوز
الأمر ذلك(20).
وفي الوقت الحاضر حرص حكام آل سعود على الأخذ
برأي أهل الحجاز (بلاد الحرمين) فعل سبيل المثال، كانت بيعة أهل مكة، للملك
عبدالعزيز، مبنية على مفاهمات ومراسلات تمت مع أهل الحل والعقد(21).
الهوامش
1.
انظر: ابن منظور، لسان
العرب، جـ1، 169؛ مادة (ح ل ل)؛ جـ3، 296؛ مادة (ع ق د)
2. الموسوعة
الفقهية،
ط2، جـ7 (الكويت: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، 1407هـ/1987م)،115؛ عبدالمنعم،
محمد، معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية، جـ1( القاهرة: دار الفضيلة، )، 328.
3.
النساء: 59.
4. انظر:
الدميجي، عبدالله بن عمر، الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة، (
الرياض: دار طيبة، 1407هـ/1987م)، 162-163.
5.
الموسوعة الفقهية،
جـ7، 115؛ الدميجي، 162.
6. انظر:
الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد، الأحكام السلطانية والولايات الدينية،
(بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت)،7-8؛ الفراء، أبو يعلى محمد بن الحسين، الأحكام
السلطانية، تحقيق: محمد حامد الفقي(بيروت: دار الكتب العلمية،1421هـ/2000م)،
23-24.
7. انظر:
ابن العربي، محمد بن عبدالله، العواصم من القواصم، تحقيق محب الدين الخطيب،
ط2( بيروت: دار الجيل،1407هـ/1987م)، 221 – 223؛ الموسوعة الفقهية، جـ7، 117؛
الدميجي، 176 - 182.
8.
الماوردي، 6 ؛
الفراء، 19.
9.
للاستزادة عن ذلك
راجع: الدميجي، 170 – 173.
10.
الموسوعة الفقهية،
جـ7، 115.
11.
الموسوعة الفقهية،
جـ7، 116 – 117.
12.
البخاري، كتاب
الأحكام، باب: كيف يبايع الإمام الناس؟ ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، فتح
الباري بشرح صحيح البخاري، تحقيق: عبد القادر شيبة الحمد، جـ13 (نشر المحقق،
1421هـ/2001م)، 218؛ النووي، يحيى بن شرف، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج،
تقديم: خليل مأمون
شيحا، ط7، جـ12 (بـيروت: دار المعرفة، 1421هـ/2000م)، 420؛ ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل، البداية
والنهاية، تحقيق: صدقي العطار، جـ4 (بيروت: دار الفكر، 1416هـ/1996م)، 215-
218.
13.
ابن كثير، جـ5، 84.
14.
انظر: البخاري، كتاب
فضائل أصحاب النبي r، باب: قصة البيعة، والاتفاق على عثمان بن عفان، وفيه مقتل عمر بن
الخطاب، ابن حجر، جـ7، 73-77؛ البخاري، كتاب الأحكام، باب: كيف يبايع الإمام، ابن
حجر، جـ13، 207 -211؛ ابن كثير، جـ5، 225 – 228.
15.
ابن كثير، جـ5، 320.
16.
ابن كثير؛ جـ5 ، 322
– 324. بتصرف.
17.
ابن خلدون،
عبدالرحمن، المقدمة، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، د.ت)، 202- 208
بتصرف؛ شاهين، حمدي، الدولة الأموية المفترى عليها، (القاهرة: دار القاهرة
للكتاب، 2001م)، 278 -280
18.
المسعودي، علي بن
الحسين، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق: محمد محيي الدين عبدالحميد، جـ3
(بيروت: دار المعرفة، د.ت)، 37 – 38
19.
أحمد السباعي، تاريخ
مكة، جـ1، (الرياض: الأمانة العامة للاحتفال بمرور مائة عام على تأسيـس
المملكة العربية السعوديـة، 1419هـ / 1999م)، 171 – 173.
20.
انظر: راوة المكي،
تاريخ أمراء البلد الحرام عبر عصور الإسلام، جمع وتعليق عبدالفتاح حسين،
(الطائف: مكتبة المعارف، د.ت)، 130.
21.
الغازي، عبدالله بن
محمد، إفادة الأنام بذكر أخبار بلد الله الحرام مع تعليقه المسمى بإتمام الكلام،
تحقيق: عبدالملك بن دهيش، جـ5 (مكة المكرمة: مكتبة الأسدي، 1430هـ/2009م)، 112.
إعداد
: د. إبراهيم بن يوسف الأقصم/ جدة
باحث
في موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة
تعليقات
إرسال تعليق