مهنة الخواصة في الحجاز
مهنة الخواصة في الحجاز:
اشتهرت بلاد الحجاز بالحرف والمهن اليدوية
والصناعات المتنوعة(1). ومن تلك المهن، مهنة الخواصة. الخوص: ورق
النخيل. الخوّاص: معالج الخوص وبيّاعه، والخِياصة، عمله. وإناء مخوص، فيه على
أشكال الخوص(2).
الخواصة:
حرفة تقوم على خوص النخيل، لتنسج وتصنع منه الأدوات والأثاث(3).
من
مهنة الخواصة تتفرع عدة مهن، بأسماء مختلفة، منها: القفاصون، أو صناع سعف النخيل. أو
صناعة الألياف، أو صناعة الحصير، أو حرفة الجريد، أو الخصف(4).
هذا
التنوع في أسماء حرفة الخواصة، يعود إلى تنوع منتجاتها، ومن هذه المنتجات: الِقفاف،
الأقفاص، الحُصر،البسط، والسلال، والمراوح، والمكانس. وكل ذلك من جريد النخل، أما الحبال،
والخُطم، والأكياس، وكلها من ليف النخيل. والمنتجات عديدة، سيتم ذكرها ضمن السياق(5).
هذه
المنتجات استمرت صناعتها عبر العصور الإسلامية، ولازالت تستخدم في بعض القرى، بأسماء مختلفة.
أدوات
الخواصة:
1-
مواسير حديد،
مختلفة الأقطار، لإحداث الخروم (الثقوب).
2-
مدق: في شكل خشبة
صلبة للدق على المواسير.
3-
ساطور مسنون
محكم الصنعة.
4- مسند: قطعة من الخشب الصلب، يوضع عليه الجريد، ليتم
ثقبه، وحتى لا يتلف سن المواسير من ارتطامها بالأرض، تسمى (الثأر).
5-
قياس حديد مخرم،
لتعليم أو تحديد مكان الثقوب على الجريد(6).
الخواصة
كونها مهنة، انتشرت في بلاد العرب عموما، والحجاز خصوصا، من قبل ظهور الإسلام،
لأنها ارتبطت بزراعة النخيل(7). ولم تكن منتشرة بمكة مثل المدينة، التي
تشتهر بزراعة النخيل. إلا أنها كانت توجد في الوديان المحيطة بمكة(8).
في عهد الرسول r ، وصدر الإسلام، انتشرت صناعة الخوص، بسبب كثرة
أشجار النخيل، كما انتشرت صناعة الحصر، التي ينام عليها الناس، وكان الأنصار
يعملون في الخوص، وقد تعلم سلمان الفارسي t منهم هذه المهنة. ومن أبرز منتجاتهم، القِفاف،
التي كانت تصنع من الخوص، وهي على هيئة أوعية، توضع فيها الأشياء(9).
هذه الأعمال كان يقوم بها الرجال
والنساء على حد سواء. وكانت بعض النساء
تغزل الخوص، وتنسجه في المسجد النبوي(10). وكان لأصحاب القفاف
والأقفاص مكان خاص في المدينة، مثل أصحاب الحرف الأخرى في المدينة(11).
ليف النخيل مادة جيدة لتلك الصناعات الخوصية،
فكان يصنع منها خطم الدواب، والحبال، وحشو الوسائد والفرش. وكان خطام دابة r من ليفه، ووسادته من ليفه(12). وقد كان سرير النبي r
خشبات مشدودة بليف(13).
وقد روي أن النبي r اعتكف في قبة من خوص(14). وفي رواية
أنه اعتكف في بيت من سعف(15).
في العهد الأموي، اشتهرت بلاد الحجاز
بمهنة الخواصة، فبرزت صناعة الأقفاص، والقفاف، والمكاتل، والأطباق، من الخوص. كما
كانت تصنع الخيام من الجريد والخوص، وكانت أسقف المنازل والمساجد، تصنع من الجريد(16).
في العصر العباسي، انتشرت صناعة الحبال
في الحجاز، لأن مادتها الأساسية هي ليف النخيل(17). وذكر عطية إبراهيم،
انتشار صناعة الحصر، في مدن الحجاز، من النخيل. وكان يعاب على حصير الحجاز
الخشونة، فكان أهل الحجاز يرطبونه. وانتشرت منتجات الأقفاص والحبال من سعف النخيل،
كما صنعوا منه المكانس، والمكاتل، والزنابيل(18). أكد الضويحي أن مهنة
الخواصة، -بأسمائها المختلفة – كانت من
أبرز المهن في الحجاز، لوجود مادتها الرئيسية بكثرة (شجر النخيل) حيث ظهرت عدة
صناعات يدوية من سعف النخيل، كالمكاتل والقفاف، ومن جريد النخيل، أسقف المنازل والمساجد،
وصناعة الأبواب والنوافذ(19).
العناقرة في دراسته الاقتصادية أكد على
أهمية النخيل في استمرارية مهنة الخواصة ورواجها، في العصر المملوكي، إذ قال: إن
صناعة الحصر كانت من الصناعات المهمة في الحجاز، وهي من السلع المطلوبة في مدن
الحجاز آنذاك(20).
أما القحطاني، في دراسته الاقتصاديه
والاجتماعية في العصر العثماني، فقد أكد على أهمية مهنة الخواصة، ضمن حديثه عن
صناعة منتجات النخل. فذكر أبرز المنتجات المصنوعة من الخوص. منها: المراوح،
والمزاود (حافظات الطعام) والخصف (فرش الأرض) والمديحة (لتخزين الطعام بعد الحصاد،
والمنداف (لذري الحبوب وتنقيتها من الشوائب)، والقفف، وكانت على شكل مخروطي، وأسطواني، (توضع فيها الملابس)،
والبسط، وسجاجيد الصلاة، والسفرة التي يوضع عليها الطعام، والمظلة الشمسية،
والمنسف، والقرطلة، والزبلان، والمحامل وغيرها(21).
كما
ذكر القحطاني منتجات تتعلق بجريد النخل. منها: الهندول (أرجوحة الأطفال)،
والستائر، وأقفاص الطيور، والأسرّة، والبنكية (لحمل صحون الحلوى والفواكه)،
والقفاع لصيد الطيور.كان الجريد أيضا يستخدم لأسقف المنازل، وتصنع منه الأبواب
والنوافذ لعشش المزارعين، وحظائر الحيوان، فضلا عن أنه كان مادة للوقود(22).
أما
ليف النخيل، فكان مادة جيدة، توضع في ثقب دلة القهوة؛ لتمنع قشر الهيل من النزول
مع القهوة. ويستخدم أيضا لتنظيف الجسم، وأوعية للطعام، كما كانت تصنع منه الحبال،
وكان يستخدم حشوا للوسائد، وبعض الأثاث، وتعمل منه المكانس(23).
في القرن الرابع عشر الهجري/ العشرين
الميلادي، أواخر العصر العثماني، وبدايات العهد السعودي اشتهرت المدينة المنورة
بحرفة الخواصة؛ ذكر ابن سلم أن السيدات في المدينة المنورة كن يعملن الزنابيل من
سعف النخل، فكانت تستعمل في نقل مواد البناء، ونقل السلع. كما كانت هناك منتجات من
النخيل وجدت لتناسب ظروف الحياة؛ كالمراوح اليدوية، والخسف لفرش البيوت، وانتشرت
صناعة الحبال التي تؤخذ من ليف النخيل، وكان الجمالة والفلاحون يستفيدون منها(24).
ممن أشار إلى حرفة الخواصة، الخياري،
ضمن حديثه عن طائفة القفاصين في المدينة المنورة، إذ كانوا يصنعون أقفاصا من جريد
النخل، للطيور، كما كانوا يصنعون السرر من الجريد. وذكر الخياري أن هذه الحرفة
أصبحت شبه معدومة(25). كما كان النساء في المدينة يصنعن الزنابيل، والحصر،
والقفف، ومكانس الحجر(26).
في الوقت الحاضر، القرن الخامس عشر
الهجري/الحادي والعشرين الميلادي، نجد أن مهنة الخواصة تلاشت في ظل وجود المستورد
من الصناعات الجلدية(27).
المملكة العربية السعودية، حاولت في
الآونة الأخيرة، إقامة المهرجانات التراثية الموسمية؛ لإحياء الحرف القديمة، كأعمال
الخواصة، ومازالت المملكة تشجع الناس على ارتياد هذه الحرف، وذلك من خلال إقامة
أماكن مخصصة للحرف التقليدية واليدوية(28).
مهرجان
الجنادرية السنوي، (المهرجان الوطني للتراث والثقافة) الذي يقام في الرياض، مازال
يخصص أجنحة خاصة للحرف الشعبية، منها أعمال الخواصة، وذلك من خلال البيت الحجازي،
بقسميه: (البيت المكي) و (البيت المدني) . كما تقام عدة مهرجانات في مكة المكرمة
والمدينة المنورة، تعرض فيها الحرف اليدوية.
الهوامش:
1.
الحارثي،
عدنان، الحرف والصناعات في المدينة ومكة، موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة،
جـ 8، 312 – 384.
2.
ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، جـ7 (بيروت:
دار صادر، د.ت)، 32. مادة : خوص.
3.
العمري، عبد
العزيز، الحرف والصناعات في الحجاز في عصر الرسول r ، ط3(الرياض: دار اشبيليا ، 1420هـ/ 2000م)، 289.
4.
حجازي، ثروت، الحرف
اليدوية في مكة المكرمة، جـ2( مكة المكرمة، جامعة أم القرى، مركز أبحاث الحج،
1414هـ)، 194، 201؛ معطي، علي محمد، تاريخ العرب الاقتصادي قبل الإسلام
(بيرةت: دار المنهل اللبناني، 1423هـ/ 2003م) 175؛ العمري، 289؛ الحارثي، جـ 8،
333، 342 .
5.
حجازي، جـ2،
195- 199، العمري، 289- 290 ؛ معطي، 175.
6.
حجازي، جـ2،
203.
7. . معطي، 175 .
8.
حجازي، جـ2،
194، 198.
9.
آل الشيخ،
نورة، الحياة الاجتماعية والاقتصادية في المدينة المنورة في صدر الإسلام (جدة:
تهامة، 1403هـ/1983م)، 138؛ العمري، 289؛ الخراشي، عبدالله، النشاط الاقتصادي
في المدينة في عهد النبي r، (الرياض: نشر المؤلف، 1434هـ)، 208- 209.
10.
العمري، 290 .
11.
نورة 138.
12. العمري،
290. أخرج الترمذي في باب:(صفة القيامة) إن وسادة النبي r، كانت من أدم حشوها ليف. المباركفوري، محمد بن عبد
الرحمن، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، جـ 7(بيروت: دار الكتب العلمية،
1410هـ/1990م)، 142.
13.
الخراشي، 209.
14.
ابن حنبل، أحمد بن حنبل، مسند الإمام أحمد
بن حنبل، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وآخرين، جـ31، ط2 (بيروت: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر
والتوزيع، 1429هـ/2008م)، 408. قال المحقق: إسناده ضعيف.
15.
صحيح ابن خزيمة،
رقم:863. جـ3 ، 350- 351. (نسخة pdf )
16.
السيف، عبد
الله، الحياة الاقتصادية والاجتماعية في نجد والحجاز في العصر الأموي، ط2(بيروت:
مؤسسة الرسالة، 1402هـ/ 1983م)، 165- 166.
17.
السويلم،
ابتسام، الحياة الاقتصادية والاجتماعية في الحجاز من قيام الدولة العباسية حتى
منتصف القرن الرابع الهجري، رسالة ماجستير، قسم التاريخ، كلية الآداب، جامعة
الملك سعود، 1404هـ/1984م)،71.
18.
إبراهيم، عطية
طه، الحياة الاقتصادية والاجتماعية في الحجاز من القرن الثالث حتى منتصف القرن
السادس الهجري، رسالة دكتوراه، كلية الآداب، جامعة القاهرة، 1415هـ/ 1995م)،
118.
19.
الضويحي، صالح،
الحياة الاقتصادية والاجتماعية في بلاد الحجاز في الفترة من 402هـ- 557هـ ،
رسالة ماجستير، جامعة الإمام محمد بن سعود، كلية العلوم الاجتماعية، قسم التاريخ
والحضارة، 1409هـ/ 1989م)، 156 150.
20.
العناقرة، محمد
محمود، الحياة الاقتصادية في الحجاز في عصر المماليك (648-923هـ /1250-1517م)
(الرياض: دارة الملك عبد العزيز، 1427هـ/2006م)، 201.
21.
القحطاني، حمد
محمد، الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في إقليم الحجاز (1297ه-1323ه/ 1880-
1905م) رسالة ماجستير (الكويت: جامعة الكويت،1422هـ/2001م)، 170- 171.
22.
القحطاني، 171.
23.
القحطاني، 171.
24.
ابن سلم، أحمد سعيد، المدينة المنورة في القرن الرابع عشر
الهجري (د.م: د.ن، 1414هـ/1993م)، 167 مع صور لمنتجات النخيل.
25. الخياري،
ياسين، صور من الحياة الاجتماعية بالمدينة المنورة منذ بداية القرن الرابع
الهجري وحتى العقد الثامن منه، ط2(جدة: ياسين الخياري،1415هـ/1994م)، 275-
276.
26.
الخياري، 321-
322.
27. حهان،
عبدالرحيم، الحرف التقليدية في مكة المكرمة في العهد السعودي 1343-
1426هـ/1924-2005م ، نشر جامعة أم القرى، 1436هـ/ 2015م)، 153 - 154؛ الخياري،
284.
28.
جهان، 153.
إعداد : د. إبراهيم
بن يوسف الأقصم/ جدة
باحث في موسوعة مكة
المكرمة والمدينة المنورة
تعليقات
إرسال تعليق