حمام الحمى

 

حمام الحمى:

 

الحمام: اسم لحيوان طائر، يألف البيوت ويعيش مع الناس، وهو مستأنس. والحديث عن حمام الحمى الحجازي، أو حمام الحرم، يرجعه بعض الباحثين إلى  عصور مبكرة جدا، منذ عهد نبي الله نوح u؛ حينما أغرق الله تعالى  قومه في الطوفان؛ لمخالفتهم له؛ ونجاته هو ومن معه من المخلوقات على سفينته؛ وبعد أن أقر الله تلك السفينة على جبل الجودي. أراد نوح u أن يقف على حقيقة حالات العالم الأرضي وما حصل فيه من جفاف ويبوسة، فبعث الحمام ليمر شرقاً، وغرباً، وشمالاً، وجنوباً، في سائر أنحاء المعمورة، ليأتيه بخبر الأرض. فقام الحمام بمهمته خير قيام وأتاه بالنتيجة الكافية الوافية الشافية، من جملتها جفاف أرض الكعبة المشرفة، والحرم المكي المقدس. فوجد نوح u في أرجل الحمام بعض الطين الأحمر؛ فدعا u للحمام بالبركة. فحمام الحمى هذا الموجود الآن هو من نسل ذلك الحمام الذي دعا له نبي الله، وسيدنا نوح u(1).

جاء تحت جاء في(تاريخ) الأزرقي تحت عنوان (ما جاء في طواف سفينة نوح u، زمن الغرق، بالبيت الحرام) ما نصه: "حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا مهدي بن أبي المهدي، قال: حدثنا بشر بن السري البصري، عن داود بن أبي الفرات الكندي، عن علياء بن أحمد اليشكري، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان في السفينة مع نوح ثمانون رجلاً، معهم أهلوهم، وإنهم كانوا أقاموا في السفينة مائة وخمسين يوماً. وإن الله تعالى وجه السفينة إلى مكة المكرمة، فدارت بالبيت أربعين يوماً. ثم وجهها الله تعالى إلى الجودي. قال: فاستقرت عليه، فبعث نوح u الغراب ليأتيه بخبر الأرض، فذهب فوقع على الجيف وأبطأ عنه. فبعث الحمامة، فأتته بورق الزيتون، ولطخت رجليها بالطين، فعرف نوح u أن الماء قد نضب، فهبط إلى أسفل الجودي، فابتنى قرية سماها ثمانين، فأصبحوا ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة، إحداها العربية. قال: فكان لا يفقه بعضهم عن بعض. وكان نوح u يعبّر عنهم"(2). ويروي ابن كثير في (تفسيره) ما يوافق الأزرقي (3).

وقيل: إن حمام الحمى الحجازي؛ ظهر لما وقع ما وقع من واقعة الفيل الذي أحضره أبرهة إلى مكة المكرمة لهدم الكعبة المعظَّمة, فأرسل الله عليه طيراً من البحر(الأبابيل) لإهلاك أهل الفيل وأبرهة منهم، فقام طسر الأبابيل بمهمته خير قيام، ثم عاد إلى البحرً، وبقى القليل منه. وحمام الحمى هذا من نسل ذلك الطير الذي أهلك الله به أعداء الإسلام.

 جاء في (أخبار مكة) للأزرقي تحت عنوان(ذكر الفيل حين ساقته الحبشة)(4)، قال الأزرقي  وقال بعض المكيين: إنه أول  ما كانت مكة المكرمة حمام اليمام حمام مكة المكرمة الحرمية ذلك الزمان يقال: "إنها من نسل الطير التي رمت أصحاب الفيل حين خرجت من البحر من جهة جدة" (5).

ومما قيل في أصل حمام الحمى الحجازي: أمر الله رسوله r بالهجرة إلى طيبة، قام من مكة المشرفة، ومعه صاحبه أبوبكر الصديق t. فلما حصل ما حصل عليهما في الغار، جاء الحمام وعشش على الغار، وكان منه ما كان من القصة المعلومة، فدعا رسول الله r بالبركة. وكان حمام الحمى من نسل ذلك  الحمام المدعو له بالبركة من رسول الله r(6). لكن هذا الرأي مستبعد؛ لأن قصة الحمامتين منكرة، وموضوعة(7).

وعن سبب تسميته بحمام الحمى، يرى الخياري، أنه لما كان أهل مكة المكرمة يسمون (أهل الله)، كما سماهم رسول الله r، كانت مكة المكرمة حمى لمن يدخلها، ولا يدخلها من يدخلها إلا محرماً احتراماً لها، وكان الحرم المكي حرماً لها آمناً(8).

 جاء في تاريخ الأزرقي (أخبار مكة)  تحت عنوان (ما ذكر من أهل مكة أنهم أهل الله U)، ما نصه حرفاً: ( حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي حدثنا عبدالجبار بن الورد المكي، قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: إن النبي r قال: (لقد رأيت أسيداً في الجنة وأنى يدخل أسيد الجنة فعرض له عتاب بن أسيد فقال: هذا الذي رأيت أدعوه لي فدعا فاستعمله يومئذ على مكة ثم قال لعتاب: أتدري على من استعملتك؟ استعملتك على أهل الله فاستوص بهم خيراً) يقولها ثلاثاً"(9) .

ولما كانت المدينة المنورة تسمى: (بيت رسول الله) r، كما سماه الله تعالى في القرآن الكريم لقوله تعالى:             (10).

 وكان أهل المدينة المنورة يسمون(أهل رسول الله r)، وأهل البيت لهم ميزة خاصة، وكان الحرم النبوي هو الحمى الحقيقي لأهل المدينة المنورة، ولما كان الحمام هذا أغلب إقامته في الحرم النبوي، وفي الحرم المكي خاصة، وفي المدينة المنورة، وفي مكة المكرمة(11).

وجاء في تفسير سورة الأنفال عند قوله تعالى:           . المراد بهذا الإخراج هو خروجه من المدينة المنورة إلى بدر ومعناه؛ كما أمرك ربك بالخروج من بيتك بالمدينة بالحق يعني بالوحي لطلب المشركين(12).

وحمام الحمى له مكانة عند أهل الحرمين الشريفين، فهم يحبونه  ويحترمونه، ولذلك أسباب غريبة، وعجيبة، لا يلزم التسليم بها ، ومنها:

1-  إن من أكله شتت الله شمله وفرق بين أهله، وذويه، وبنيه، وقد نشأت هذه العقيدة عندهم بالتجربة.

2-  في الخمسة الأول من شهر ذي الحجة الحرام من كل عام يقدم هذا الحمام أسراباً لمكة المكرمة، وفي الخامس عشر من الشهر نفسه يعود أسراباً أسرابا إلى المدينة المنورة. وناهيك حمام يحج في كل عام إلى البيت الحرام.

3-  لا يسطو عليه أحد من أهل المنازل، ولا من أهل البساتين بالذبح، أو بأخذ بيضه وحرمانه منه، لما تمركز في نفوسهم من قدسيته بالتجربة العامة.

4-  كأن حمام الحمى هذا يعلم مكانته في قلوب الحجازيين، فهو يحل ضيفاً كريماً في كل بيت من بيوت المدينة، وبساتينها، ولا يجد فيها من يزعجه أو يطرده، بل ربما بعضهم يستأنس به، في منزله أو في بستانه، فيضع له الطعام، والشراب يوميا بدون انقطاع، تأليفاً له عنده، وترغيباً له في إقامته بمنزله أو بستانه.

5-  مما جرب عند أهل المدينة المنورة أن الطفل الذي يبلغ سنه الثالثة أو الرابعة ولا يتكلم، أو لا يحسن النطق جيدا، فإنهم يأخذون له بيضة أو بيضتين من بيض الحمام هذا بعد أن يتركه الحمام، ويسلقونه، ويطعمونه واحدة فقط في اليوم، فإذا أكل بيضتين أو ثلاثاً، وهو أقصى حد في العدد، فإنه ينطق كأحسن ما يكون النطق وتتيسر له الفصاحة، وهذا أمر معروف، ومقرور، ومشهود، ومشهور.

6-  يعطف عليه الحاج والزوار بالطعام الكثير ينثرونه له في حصوة الحرم الشريف النبوي، ويعطف عليه خدام الحرم الشريف النبوي بالماء ويضعونه له في أوان خاصة به، فيأكل هنيئاً، ويشرب مريئاً بدون معاكس له.

7-  في العهد العثماني كانت نظارة الأوقاف العامة بدار الخلافة العظمى في إستانبول قد خصصت له مرتبات شهرية من موازنة الدولة العثمانية، كما خصصت بعض الموظفين لذلك، فهم يأخذون الحبوب يومياً من الخزينة أي إدارة أوقاف الحرم، ويبثونها[ينثرونها] في الرمل أي الحصوة, ويملؤون له حوضاً كبيراً من الحجر قد أنشى لهذا الغرض ويملؤونه بالماء(13).

 

وحمام الحمى، الموجود اليوم، في الحرمين الشريفين، لونه أزرق غامق، به نقط رمادية، وخطوط سود، وهو مطوق بالخضرة المحمرة(14).

ولا يزال الناس في الوقت الحاضر يتعاملون معه برفق وتودد، وإكرام، ةينثرون له الحبوب، ويشعرونه بالأمان والاحترام والتقدير(15).

 


الهوامش:

1-    الخياري، أحمد ياسين، حمام الحمى الحجازي، (د.م، د.ن، 1993هـ)، ،12، 15.

2- الأزرقي، أبو الوليد محمد بن عبدالله، أخبار مكة وماجاء فيها من الآثار، تحقيق: رشدي الصالح، جـ1،  ط8 (مكة المكرمة: دار الثقافة، 1416هـ/ 1996م)،52.

3-    ابن كثير، إسماعيل، تفسير ابن كثير، جـ2 (بيروت: دار الفكر، 1400هـ/ 1980م)، 136.

4-    الأزرقي، جـ1، 136.

5-    الأزرقي، جـ1 ، 148.

6-    الخياري، 13.

7- الألباني، محمد ناصر الدين، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، جـ2( الرياض: مكتبة المعارف، 1408هـ/1987م)، 259-263؛ 337- 338.

8-    الخياري، 13.

9-    الأزرقي، جـ2،  151.

10-                    سورة الأنفال: ٥.

11-                    الخياري، 13.

12-                    ابن كثير، جـ2، 288.

13-                    الخياري، 12- 14.

14-                    الخياري، 18.

15-                    انظر مقالة: حمام الحمى، مجلة الحج والعمرة، (س 60) ع 4، ربيع الآخر، 1426، 24.

                  

إعداد : د. إبراهيم بن يوسف الأقصم/ جدة

باحث في موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ثورة عبدالله بن الزبير رضي الله عنه

مدرسة دار الحديث المدنية الأهلية الخيريه

قبيلة خُزاعة ودورها التاريخي