الصحيح فيما ورد في وقعة كربلاء

 

الصحيح فيما ورد في وقعة كربلاء:

وردت في حادثة كربلاء، روايات مثيرة ، ومبالغات كثيرة، خاصة في المصادر الشيعية، لكن هذه الروايات فيها من الوضع الكثير، ولم تسلم بعض المصادر السنية من ذلك. وفي هذه المقالة نحاول تقديم ما صح من هذه الروايات وتبيين مواقف الصحابة، ومواقف العلماء من ثورة الحسين بن علي رضي الله عنهما.

 انطلقت بدايات هذه الثورة من الحجاز، وذلك منذ أن جاء معاوية t للحجاز، في سنة 56هـ/675م، لأخذ البيعة من كبار الصحابة، لابنه يزيد؛ فوجد في بداية الأمر معارضة من كبار أبناء الصحابة، منهم: الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وعبدالله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهم. فتآلف معاوية أعيان الحجاز، ولم يكرههم على البيعة؛ فتراجع ابن عمر وابن أبي بكر رضي الله عنهم؛ خشية الفتنة، بعد أن استمعا إلى نصح الناصحين. أما الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم، فقد أظهرا عدم الرضا، وخرجا، بالخفية إلى مكة؛ لأنهما أدركا أن جل الصحابة بايعوا معاوية t، وهما اللذان تأخرا عنه، فتركهما معاوية ولم يجبرهما(1).

بعد وفاة معاوية t، سنة 60هـ/680م، تمت البيعة ليزيد، ليكون خليفة للمسلمين، فتحول نظام الحكم، من شورى إلى نظام وراثي، وانتقل الحكم للأمويين، في حاضرتهم دمشق، فأصبح الشام مركز قوة للأمويين(2).

جل الصحابة بايعوا يزيد، ورضوا بخلافته؛ من باب جواز إمامة المفضول على الفاضل، ومن باب أنه لا يشترط أن يبايع الإمام جميع أهل الحل والعقد(3).

الحسين t لم يرض عن بيعة يزيد، ولم يؤيد خلافته؛ فخرج عليه من مكة، متوجها إلى الكوفة بالعراق. وقد كانت رسائل المناصرة والتأييد تأتيه متوالية من أهل الكوفة، تبايعه على الخلافة، وتدعوه للقدوم إليهم؛حتى وصلت إلى ثماني عشرة ألفا، فأرسل إليهم، ابن عمه، مسلم بن عقيل بن أبي طالب، ليتأكد من صحة ذلك(4).

عندما عزم الحسين t على الخروج، التقى به بعض الأعيان من أبناء الصحابة، ونصحوه بعدم الخروج إلى الكوفة، مذكّرين إياه، بما فعله أهل الكوفة مع أبيه وأخيه الحسن رضي الله عنهم. وكان من هؤلاء: أخوه محمد بن الحنفية، وعبدالله بن جعفر بن أبي طالب، وعبدالله بن عباس، وعبدالله بن عمر، ووالي مكة، آنذاك، الحارث بن خالد المخزومي؛ رضي الله عنهم أجمعين لكن الحسين t لم يستجب(5).

أصر الحسين t على الخروج؛ بالرغم من نصح الناصحين. وفي الطريق، التقى بالشاعر الفرزدق، فسأله عن الناس في الكوفه، فرد عليه: " قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أمية". كما التقى الحسين t بالحر بن يزيد التميمي، فأخبره بأن مسلم بن عقيل، ابن عمه، قد قبض عليه عبيدالله بن زياد، والي الكوفة، وقتل، ولم يجد مسلم منهم نصرة أو تأييداز فراح ضحية تحريض أهل الكوفة له بالخروج. وهمّ الحسين بالعوده، لولا أن إخوة مسلم أصروا على أخذ الثأر. عندها دخل الحسين في مواجهة خاسرة مع الجيش الأموي في كربلاء، سنة 61هـ/680م. فاستشهد مظلوما، ومعه العديد من أقاربه وأهل بيته(6).

وردت في حادثة كربلاء، روايات مضخمة، ومبالغات كثيرة، خاصة في المصادر الشيعية، لكن هذه الروايات فيها من الوضع الكثير. على سبيل المثال، فقد أورد الطبري، أكثر من 120 صفحة لروايات مقتل الحسين t (7)، عن طريق الراوية أبي مخنف الشيعي، المشهور بوضع الأخبار(8).

وعنون ابن كثير عنوانا يبين مدى صدق ما ذهب إليه الباحث، وقال: " وهذه صفة مقتله مأخوذه من كلام أئمة الشأن، لا كما يزعمه أهل التشيع من الكذب" (9). كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن بعض أهل العلم، من أهل السنة، رووا في مقتل الحسين t، أخبارا باطلة، وآثارا منقطعة، منهم ابن أبي الدنيا، والبغوي(10). أي أوردوها في كتبهم، من باب الرواية، بذكرهم السند، ومنهجهم في ذلك؛ العهدة على من روى. كما عقد شيخ الإسلام فصلا عن أصناف الناس في مقتل الحسين t، وذكر طرفين ووسطا: "فرأيٌ يرى أنه أراد شق عصا المسلمين- وهو قول النواصب- وقول يرى أنه الإمام الذي تجب طاعته – وهذا الاتجاه، يغلب عند الشيعة- ، أما الوسط فهم أهل السنة، الذين لا يقولون هذا ولا ذاك، بل يقولون: قُتل مظلوما شهيدا (11).

وبذل علماء الحديث، جهدا ضخما، في تفنيد ما ورد من أحاديث مكذوبة، في مقتل الحسينt؛ فعقدوا فصولا في ذلك، منهم: ابن الجوزي في (الموضوعات)، وابن عرّاق في (تنزيه الشريعة)، والشوكاني في (الفوائد المجموعة)، وغيرهم. كما أن العديد من الدراسات التاريخية، قد قدمت آراء جيدة في مقتل الحسين، يمكن الرجوع إليها لمن أراد التوسع(12).

الحقيقة أن مقتل الحسين t كان فاجعه للأمة الإسلامية، مسببا لها حسرة، وندامة، وانقساما، لازال قائما إلى وقتنا الحاضر؛ لأنه حفيد الرسول r، وريحانته، وابن بنته فاطمة، رضي الله عنها. وقد وردت في فضائل الحسين t، أحاديث عديده، سطّرها علماء الحديث في مصنفاتهم( 13). وذاك هو عزاؤنا وسلوتنا في هذه المصيبة. كما أن إخبار النبي r عن هذه الحادثة من قبل، فيه ما يجعلنا في حالة من الرضا والتسليم لأمر الله تعالى، فقد أخرج الإمام أحمد في (مسنده)، بإسناد حسن، بطرقه وشواهده، كما يقول محققو المسند، أن النبي r قال: " .. لقد دخل علي البيت ملك، لم يدخل علي قبلها، فقال لي: إن ابنك هذا حسين مقتول، وإن شئت أريتك من تربة الأرض التي يُقتل بها. قال: فأخرج تربة حمراء" (14) .... والحديث له عدة روايات. ومن أراد الاستزادة عن هذه الثورة يمكن مراجعة كتابي الدولة الأموية(15).

 


الهوامش

1. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري، تحقيق: أبو الفضل إبراهيم، جـ5 (بيروت: د.ن، د.ت)، 301 ؛ المسعودي، علي بن الحسين، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق: محمد محي الدين عبدالحميد، جـ3 (بيروت: دار المعرفة، د.ت)، 37 – 38؛ اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر، تاريخ اليعقوبي، جـ2 (بيروت: دار صادر، د.ت)، 229؛ ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، تحقيق: محب الدين الخطيب ومحمد فؤاد عبدالباقي، جـ8 (القاهرة: دار الريان، 1407هـ/ 1987م)، 439.

2. ابن خلدون، عبد الرحمن، المقدمة (بيروت: دار إحياء التراث العربي، د.ت)، 202-208 بتصرف؛ شاهين، حمدي، الدولة الأموية المفترى عليها (القاهرة: دار القاهرة للكتاب، 2001م)، 278-280.

3. ابن العربي، محمد بن عبد الله، العواصم من القواصم، تحقيق: محب الدين الخطيب، ط2(بيروت: دار الجيل، 1407هـ/1987م)، 221-223.

4. خياط، خليفة، تاريخ خليفة بن خياط، تحقيق: أكرم العمــري، ط2 (الرياض: دار طيبة، 1405هـ/ 1985م)، 231 ؛ الطبري، جـ5، 347-348؛ المسعودي، جـ3، 64.

5.   الطبري، جـ5، 383- 384؛ المسعودي، جـ3، 64 – 65.

6. المسعودي، جـ3، 67 – 70؛ التميمي، أبو العرب محمد، المحن، تحقيق: يحيى الجبوري، ط2(بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1408هـ/ 1988م)، 146.

7.   الطبري، جـ5، 347- 470.

8. أبو مخنف: يحيى بن لوط الأزدي، رواية كذاب، وشيعي محترق. الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، ط8، جـ 7 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1412هـ/1992م)، 301 – 302.

9. ابن كثير، البداية والنهاية، تحقيق: أحمد أبو ملجـم وآخرون، جـ8 (بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت)، 174، 203.

10.       ابن تيمية، أحمد بن عبدالحليم، منهاج السنة النبوية، تحقيق: محمود رشاد سالم، جـ4 (الرياض: 1406هـ/ 198م)، 556.

11.                      ابن تيمية، جـ4، 553-554.

12.       العقيلي، عمر، وقعة كربلاء، مجلة كلية الآداب، جامعة الملك سعود، مج13، ع 2، الرياض 1986م؛ الجميلي، السيد، استشهاد الحسين للطبري ورأس الحسين لابن تيمية (بيروت: دار الكتاب العربي، 1406هـ- 1985م)، 39 – 73.

13.        انظر: كتاب: فضائل أصحاب النبي r، باب: مناقب الحسن والحسين، أحمد بن علي، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، تحقيق: عبد القادر شيبة الحمد، جـ7 (الرياض: عبد القادر شيبة الحمد، 1421هـ/2001م)، 116؛ انظر أيضا: كتاب فضائل الصحابه، باب: فضائل الحسن والحسين، النووي، يحيى بن شرف، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، تقديم: خليل مأمون شيحا، ط7، جـ15 (بيروت: دار المعرفة، 1421هـ/2000م)،  188.

14.       ابن حنبل، أحمد بن محمد، مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وآخرين، ط2، جـ44( بيروت: مؤسسة الرسالة، 1429هـ/ 2008م)، 143 – 144.

15.         الأقصم، إبراهيم، الدولة الأموية في كتابات المسعودي (جدة: دار المجتمع، 1424هـ/2003 م)، 125 وما بعدها.

ــــــ

إعداد : د. إبراهيم بن يوسف الأقصم/ جدة

باحث في موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مدرسة دار الحديث المدنية الأهلية الخيريه

ثورة عبدالله بن الزبير رضي الله عنه

قبيلة خُزاعة ودورها التاريخي