بيوع الجاهلية
بيوع الجاهلية،
حركة
البيع والشراء، في الجاهلية، تعرضت لها المصادر بالعموم، وجاء ذكرها في مصنفات
الحديث والفقه، بالخصوص، لبيان مشروعيتها، وموقف الإسلام منها. مما سيأتي بيانه
وتفصيله. وقبل بيان أنواع البيوع؛ لابد من الإشارة إلى مفهوم البيع، لغة واصطلاحا.
البيع
في اللغة: مطلق المبادلة، وكذلك الشراء. والبيع مصدر باع، وأصله : مبادلة مال
بمال. والبيع: هو الإيجاب والقبول. وهو أيضا مقابلة شيء بشيء. والبيع في اصطلاح
الفقهاء: مبادلة مال بمال، أو مبادلة منفعة مباحة، بمنفعة مباحة(1).
حركة
البيع عند العرب في الجاهلية؛ كانت لها أحكام وإجراءات أو مواثيق. فقد ذكر جواد
علي، أن البيوع في الجاهلية، كانت تتم وفق أعراف معينة، منها ماظل معمولا به في
الإسلام، ومنها ماحرمه. فالبيع لا يتم، إلا بوجود الشهود. ومنهم من كان يكتب
التبايع، وفق شروط متفق عليها؛ حتى لا يلحق أحد، ضرر. كما أنه لا يجوز فسخ البيع
من غير سبب، إلا إذا حدث الرضا والتوافق،
بين الطرفين فلا مانع من الفسخ، وكانوا يسمونه(تقايل البيع). كما عرف العرب في
الجاهلية ما يسمى بالعربون، أو الأربون، أو المسكان. وهو ما يقدمه المشتري للبايع،
لإتمام الصفقة لاحقا. لضمان تمام البيع، فإن نكص المشتري، خسر عربونه، وذهب إلى
البايع(2).
أما
صفات البيع، فقد كان من عاداتهم في الجاهلية، التصافق؛ فيقوم البايع والمشتري،
فيضعا أيديهما في أيدي بعض، أي أنهم قد تبايعوا وتراضوا، وأصبح بيعهم صحيحا. فلا
يجوز النكول عن البيع، حتى وإن ظهر للمشتري، عيب في السلعة. كما كان للديْن، دور
كبير في إنعاش حركة البيوع. والدين، هو ما له أجل؛ أما القرض، فما لا أجل له (3).
من
أشهر أنواع بيوع الجاهلية: بيع الحصاة، وبيع الملامسة، وبيع المنابذة، وبيع النجش،
وبيع المزابنة، وبيع المخاضرة، وبيع المعاومة، و بيع الطني، وبيع المجر، وبيع حبل الحبلة،
أو الكرم، وبيع الغدوى، وبيع الغذى، وبيع الملاقيح والمضامين، وبيع الرجع أو
الرجعة، وبيع الرجل ما ليس عنده، وبيع السوم، وبيع تلقي الركبان، وبيع الغرر، أو
المخاطرة، وبيعة الغائص، وبيع الجس، وبيع السرار، وبيع الجزاف، وبيع المزايدة،
وبيع العينة، وبيع الحاضر للبادي، وبيع التصرية، وبيع التقاوي، وبيع الإعراب، وبيع
الخلابة، وبيع المواصفة، وبيع المراطلة، وبيع حق الانتفاع(4).
وقد
تعرضت كتب الفقه،للعديد من بيوع الجاهلية، وبينت موقف الإسلام منها. وهذا تعريف كل
بيع بإيجاز، مع الإشارة إلى مصادرها في الهامش:
-
بيع الحصاة: معناه،
أن يقول أحد المتبايعين للآخر: ارم هذه الحصاة، فعلى أي ثوب وقعت، فهو لك بدرهم.
أو أن يبيع أحد المتبايعين من أرضه، قدر ما انتهت إليه رمية الحصاة. أو أن يقبض
على كف من الحصى، ويقول: لي بكل حصاة درهم. أو يقول أحد المتبايعين: بعتك من السلع
ما تقع عليه حصاتك إذا رميت بها(5).
-
بيع الملامسة: المراد
به، لمس اليد للسلعة، فإذا تم اللمس يتم البيع. وقيل إن لمس المتاع قاطع لخيار
البيع، فإذا اشترى، لا يحق له التراجع (6).
-
بيع المنابذة: أو بيع
الإلقاء. وهو أن تقول لصاحبك: انبذ إلي الثوب أو غيره من المتاع، انبذه إليك، وقد
وجب البيع، بكذا وكذا. أو أن ترمي إليه بالثوب، ويرمي إليك بمثله. فيكون النبذ أو
الرمي أوالإلقاء، قاطعا للخيار(7)
-
بيع النجش: هو أن
يزيد الرجل ثمن السلعة، وهو لا يريد شراءها؛ ولكن ليسمعه غيره، فيزيد بزيادته.
وقيل: تمدح سلعة غيرك، ليبيعها. وقد نهى الإسلام عن التناجش(8).
-
بيع المُزابنة: هو
بيع التمر في رؤوس النخل، بالتمر. أو بيع الرطب في رؤوس النخل، بالتمر. أو بيع التمر
في رؤوس النخل، بالذهب والفضة، والمحاقلة نحو المزابنة، لكنها تكون في الزرع (9).
-
بيع المخاضرة، أي بيع
الثمار خضرا، قبل أن يبدو صلاحها. وسمي مخاضرة من الخضرة، ولأن المتبايعيين،
تبايعا شيئا أخضر بينهما(10).
-
بيع المعاومة، هو أن
تبيع زرع عامك، بما يخرج من قابل. وهو بيع السنين(11).
-
بيع الطني: شراء
الشجر، أو بيع ثمر النخل خاصة. وهو بيع المبيع بالكومة، ولا يعلم كيلته بالكيل(12).
-
بيع المَجْر: هو بيع
ما في بطون الحوامل، من الإبل والغنم. والمجر اسم للحمل الذي في بطن الناقة (13).
-
بيع حبَل الحَبَلة، أو
الكرْم، هو بيع نتاج النتاج، وبيع الأجل. فكان الرجل في الجاهلية يبتاع الجزور إلى
أن تنتج الناقة ثم تنتج التي في بطنها. ومنه، بيع الملاقيح والمضامين، والملاقيح،
مافي البطون من الأجنة، والمضامين، مافي أصلاب الفحول (14).
-
بيع الغَدَوى، أن
تبيع الشاة بنتاج ما نزا به الكبش ذلك العام. أو يباع البعير، بما يضرب عليه
الفحل. ويسمى أيضا بيع الغذى(15).
-
بيع الرجع أو الرجعة:
هو بيع الذكور، من الإبل، وشراء الإناث بثمنها(16)
-
بيع الرجل ما ليس
عنده: أي أن الرجل يبيع ماليس في ملكه(17).
-
بيع السوم: بيع الرجل
على بيع أخيه. وقد كان أهل الجاهلية يستامون بعضهم على بعض، بما في ذلك استيام
الأخوة (18) .
-
بيع تلقي الركبان: أي
انتظار الركائب قبل دخولها السوق، وشراؤها، بسعر بخس أقل من السوق، فيحدث له
الضرر، وفيه تغرير. وقد نهى الإسلام عنه وعن بيع الحاضر للبادي (19). فالحاضر
من أهل الحاضرة، والبادي من أهل البادية. ويقوم الحاضر بشراء ماعند البادي، بثمن
بخس، ثم يبيعه في السوق بأثمان غالية(20 ).
-
بيع المخاطرة وهو بيع
الغرر: من البيوع التي لا يحيط بكنهها المتبايعان، وفيه الجهل بالثمن، أو المثمن(21).
-
بيعة الغائص: هو أن
يقول الغائص في البحر للتاجر: أغوص غوصة، فما أخرجت فهو لك بكذا، فيتفقان على ذلك.
وقد نهى الإسلام عنه(22).
-
بيع الجس: هو أنه إذا
تعاقد شخصان على البيع، يجس أحدهما يد الآخر، كعلامة لصحة البيع(23).
-
بيع السرار: إذا وجب
البيع، وعند التاجر، إِلْف، ممن يريد الشراء، ولا يريده؛ أشركه في الربح(24).
-
بيع الجزاف: يتم فيه،
أخذ الشيء بالحدس، بلا كيل ولا وزن، ولا عدد(25).
-
بيع المزايدة، يتم
فيه المزايدة، على من يريد الشراء، ليصل إلى أعلى سعر له(26).
-
بيع العِينة: وله عدة
صور. منها، أن يشتري التاجر، بحضرة طالب
العينة، سلعة من آخر، بثمن معلوم، ويقبضه، ثم يبيعها من طالب العينة بثمن أكثر مما
اشتراه إلى أجل مسمى، ثم يبيعها المشتري من البايع الأول بالنقد، بأقل من الثمن
الذي اشتراها به(27).
-
بيع التصرية: فيه غش وخداع. فكانت العرب إذا أرادت بيع شاة
أو ناقة، تركوها قبل البيع أياما، لا تُحلب، فيكبر ضرعها، فيظن المشتري أنها
حلوبة، فيشتريها(28).
-
بيع التقاوي: يتم بين
الشركاء، فيتزايدون عليه، حتى يرسو الثمن على أحدهم، فيأخذه(29).
-
بيع الإعراب: أن يقول
الرجل للرجل: إن لم آخذ هذا البيع بكذا، فلك كذا وكذا(30).
-
بيع الخلابة: يقوم
على المخادعة. ومن صوره، أن الرجل يبيع المحفلات التي جمع لبنها في ضرعها، ليخدع
الناس(31).
-
بيع المواصفة: هو أن
تواصف للرجل سلعة ليست عندك(32).
-
بيع المراطلة
والمبادلة: بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والشعير بالشعير، ويسمى مراطلة إذا
كان بالوزن، ومبادلة إذا كان بالعدد(33).
-
بيع حق الانتفاع:
صورته أن يبيع البائع للمشتري حق الانتفاع من ظهر الدابة، بأن يستفيد من ركوب ظهر
الدابة التي اشتراها. ولكن الدابة تكون مع ذلك، لصاحبها(34).
جميع
هذه البيوع، تحدث عنها فقهاء الشريعة بالتفصيل، لكنهم اختلفوا في تسمياتها فصنفوها ضمن البيوع المحرمة، أو المباحة، أو
الباطلة، أو الفاسدة، أو غير ذلك.
الهوامش:
1. للاستزادة
عن مصطلح البيع، الموسوعة الفقهية، ط2، جـ9 (الكويت: وزارة الأوقاف والشئون
الإسلامية، 1407هـ/1987م)، 5؛ عبدالمنعم، محمد، معجم المصطلحات والألفاظ
الفقهية، جـ1( القاهرة: دار الفضيلة)، 398-400.
2. جواد
علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ط2، جـ7 (بغداد: جامعة
بغداد، 1412هـ/1993م)، 401- 403.
3. جواد علي، جـ7، 403- 404.
4. جواد علي، جـ7، 387 – 398.
5. ابن
قيم الجوزية ،شمس الدين، زاد المعاد في هدي خير العباد، تحقيق: شعيب الأرناؤوط
وعبدالقادر الأرناؤط، ط 13، جـ5 ( بيروت : مؤسسة الرسالة ، 1406هـ )، 724؛ جواد
علي، جـ7، 387 – 388؛ الموسوعة الفقهية، جـ9، 88.
6. ابن
القيم، جـ5، 724-726؛ جواد علي، جـ7، 388؛ الموسوعة الفقهية، جـ9، 104، 140.
7. ابن
القيم، جـ5، 724-726؛ جواد علي، جـ7، 389؛ الموسوعة الفقهية، جـ9، 104، 142.
8. جواد
علي، جـ7، 390؛ الموسوعة الفقهية، جـ9، 220.
9. جواد
علي، جـ7، 390؛ الموسوعة الفقهية، جـ9، 105، 139؛ الأفغاني، سعيد، أسواق العرب
في الجاهلية والإسلام، (بيروت: دار الآفاق العربية، 1413هـ/1993م)، 51.
10.
جواد علي، جـ7، 391 ؛
الموسوعة الفقهية، جـ9، 187.
11.
جواد، جـ7، 391؛
الموسوعة الفقهية، جـ9، 200؛ الأفغاني، 50.
12.
ابن القيم، جـ5، 726؛
جواد، جـ7، 391.
13.
ابن القيم، جـ5، 726؛
جواد، جـ7، 392.
14.
ابن القيم، جـ5، 725؛
جواد، جـ7، 392؛ الأفغاني، 52.
15.
جواد، جـ7، 392.
16.
جواد، جـ7، 393.
17.
ابن القيم، جـ5،
716-719؛ جواد علي، جـ7، 393.
18.
جواد علي، جـ7، 393؛
الموسوعة الفقهية، جـ9، 214-217.
19.
الموسوعة الفقهية،
جـ9، 222-223.
20.
جواد، جـ7، 394 -
395؛ الموسوعة الفقهية، جـ9، 80-81، 222-223.
21.
ابن القيم، جـ5، 725؛
جواد علي، جـ7، 393؛ الموسوعة الفقهية، جـ9، 185..
22.
ابن القيم، جـ5، 736؛
جواد، جـ7، 394؛ الموسوعة الفقهية، جـ9، 106.
23. ابن
حبيب، محمد، المحبر، (بيروت: دار الآفاق الحديثة، د.ت)، 266؛ جواد علي،
جـ7، 394؛ الأفغاني، 55.
24.
ابن حبيب، 267؛ جواد
علي، جـ7، 394؛ الأفغاني، 53.
25.
جواد علي، جـ7، 395.
26.
جواد علي، جـ7، 395؛
الموسوعة الفقهية، جـ9، 219.
27.
جواد علي، جـ7، 395؛
الموسوعة الفقهية، جـ9، 95.
28.
جواد علي، جـ7، 396؛
الأفغاني، 53.
29.
جواد علي، جـ7، 396.
30.
جواد علي، جـ7، 396.
31.
جواد علي، جـ7، 397.
32.
جواد علي، جـ7، 397.
33.
جواد علي، جـ7، 397.
34.
جواد علي، جـ7، 398.
إعداد : د. إبراهيم بن يوسف الأقصم/ جدة
باحث
في موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة
********************************************
تعليقات
إرسال تعليق