الأَنْصَار (الأوس والخزرج) ودورهم في نصرة الإسلام
الأنصار، جمع نصير: مثل شريف وأشراف، والنصير صيغة مبالغة من نصر،
وهو الناصر (1). والأنصار اسم إسلامي سمى به النبي r الأوس والخررج(2) وحلفاءهم، وسماهم
به الله جل جلاله كما يقول ابن حجر وغيره من العلماء (3). وقد استدل
ابن حجر بحديث أنس رضي الله عنه الذي أورده البخاري عن غيلان بن جرير قال: قلت
لأنس: أرأيتم اسم الأنصار كنتم تسمون به، أم سماكم الله؟ قال: بل سمانا الله عز
وجل، كنا ندخل على أنس فيحدثنا بمناقب الأنصار ومشاهدتهم، ويُقبلُ عليّ أو على
رجلٍ من الأزد فيقول: فعل قومك يوم كذا وكذا، كذا وكذا (4).
أُطلق اسم الأنصار، في بادئ الأمر، على الأوس والخزرج بحكم مشاركتهم
في بيعة العقبة الأولى والثانية. ومن هنا قصرته بعض المصادر على قبائل الأوس
والخزرج فقط(5). وقد يُفهم منه أن اسم الأنصار خُصّ بالأوس والخزرج.
وهذا التخصيص يردّه أن بعض رجال قبائل الأوس والخزرج لم يدخل الإسلام، ومنهم من لم
يكن بالمدينة، ومنهم من كان على النفاق؛ فلا يصح أن يعمم على كل أولئك اسم أنصاري.
فاسم الأنصار أُطلق على كل من أسلم من أهل المدينة وناصر النبي r. ويشمل ذلك كل من أسلم من بالمدينة من غير
الأوس والخزرج، ولكن اسم الأنصار غلب على الأوس والخزرج(6).
كتب الله تعالى للأنصار الشرف والرفعة حين وصفهم في القرآن بأجمل
العبارات، وأعدّ لهم أعلى الدرجات، وكتب لهم الرضى بما أعد لهم من جنات(7). قال
تعالى: â cqà)Î6»¡¡9$#ur tbqä9¨rF{$# z`ÏB tûïÍÅf»ygßJø9$# Í$|ÁRF{$#ur tûïÏ%©!$#ur Nèdqãèt7¨?$# 9`»|¡ômÎ*Î zÓÅ̧ ª!$# öNåk÷]tã (#qàÊuur çm÷Ztã £tãr&ur öNçlm; ;M»¨Zy_ Íôfs? $ygtFøtrB ã»yg÷RF{$# tûïÏ$Í#»yz !$pkÏù #Ytr& 4 y7Ï9¨s ãöqxÿø9$# ãLìÏàyèø9$# á(8).
وفي وصف الأنصار، قال الله تعالى: â tûïÏ%©!$#ur râä§qt7s? u#¤$!$# z`»yJM}$#ur `ÏB ÷LÏiÏ=ö6s% tbq7Ïtä ô`tB uy_$yd öNÎkös9Î) wur tbrßÅgs Îû öNÏdÍrßß¹ Zpy_%tn !$£JÏiB (#qè?ré& crãÏO÷sãur #n?tã öNÎkŦàÿRr& öqs9ur tb%x. öNÎkÍ5 ×p|¹$|Áyz 4 `tBur s-qã £xä© ¾ÏmÅ¡øÿtR y7Í´¯»s9'ré'sù ãNèd cqßsÏ=øÿßJø9$# á (9).
ذكر المفسرون أن هذه الآية نزلت في الأنصار؛ لأنهم أشركوا المهاجرين معهم في المال والنخل، ولم يجدوا في
أنفسهم حاجة، أي حسداً للمهاجرين، بما فضلهم الله من المنزلة والشرف والتقديم(10).
وفي قوله تعالى: { ويؤثرون على أنفسهم ..} ذكر أهل التفسير أن هذه الآية نزلت في
أحد بيوت الأنصار الذين كانوا يكرمون ضيفاً أتاهم من عند رسول الله r، ولم يكن لديهم، إلا ما يكفي أطفالهم، فحرموا
أنفسهم وأولادهم من الأكل، وتحايلوا على أطفالهم حتى ناموا، ثم أطفئوا السراج وقت
الطعام، وأوحوا للضيف أنهم يأكلون معه، ولم يأكلوا. وباتوا جوعى طاوين، فتعجب الله
جل جلاله من هذا الصنيع، وفي رواية، ضحك الله تعالى من هذا الفعل؛ وفي ذلك، روايات عديدة(11).
ذكر الله تعالى مناقب الأنصار، بقوله تعالى:â ¨bÎ) z`É©9$# (#qãZtB#uä (#rãy_$ydur (#rßyg»y_ur óOÎgÏ9¨uqøBr'Î öNÎkŦàÿRr&ur Îû È@Î6y «!$# tûïÏ%©!$#ur (#rur#uä (#ÿrã|ÇtR¨r y7Í´¯»s9'ré& öNåkÝÕ÷èt âä!$uÏ9÷rr& <Ù÷èt 4 tûïÏ%©!$#ur (#qãZtB#uä öNs9ur (#rãÅ_$pkç $tB ä3s9 `ÏiB NÎkÉJu»s9ur `ÏiB >äóÓx« 4Ó®Lxm (#rãÅ_$pkç 4 ÈbÎ)ur öNä.rã|ÇZoKó$# Îû ÈûïÏd9$# ãNà6øn=yèsù ãóǨZ9$# wÎ) 4n?tã ¤Qöqs% öNä3sY÷t NæhuZ÷tur ×,»sVÏiB 3 ª!$#ur $yJÎ tbqè=yJ÷ès? ÖÅÁt ÇÐËÈ á(12). وهذه الآية تحمل عدة مضامين تربوية؛ منها، تقسيم المؤمنين إلى
مهاجرين تركوا ديارهم وأولادهم وأموالهم؛ لنصرة دين الله. وإلى أنصار، وهم
المسلمون من أهل المدينة، الذين آووا إخوانهم المهاجرين، وأشركوهم في الأموال
ونصروا دين الله، فهم أولياء، بعضهم لبعض، أي أن كل مهاجر آخى النبي r بينه وبين أنصاري، فكانوا يتوارثون فيما
بينهم، حتى نُسخ الحكم بنزول آية المواريث(13).
وردت أحاديث عديدة في(الصحيحين) وغيرهما، عن مناقب الأنصار وفضائلهم؛
فقد أخرج البخاري في (صحيحه) عدة أحاديث في فضل الأنصار ومكانتهم. فبعد فتح مكة
وغزوة حنين بلغ النبي r أن
في نفوس الأنصار وجْد، حول قضية توزيع الغنائم، فقال r : ) أولا
ترضون أن يرجع الناس بالغنائم إلى بيوتهم، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم؟ لو سلكت
الأنصار وادياً وِشعباً لسلكت وادي الأنصار وشِعبهم، وفي رواية أخرى: ولولا الهجرة
لكنت امرءاً من الأنصار ( (14). ومعنى الحديث، أن النبي r أراد
موافقتهم وترجيحهم على غيرهم، وتفضيلهم؛ إذا اختلف الناس ؛ لما شهد منهم من حسن
الوفاء بالعهد، وحسن النصرة. ولا يقصد من ذلك أن النبي r كان تابعاً لهم، بل هو المتبوع المطاع r (15). وقال رسول الله r: )الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق. فمن أحبهم أحبه
الله، ومن أبغضهم أبغضه الله ((16). وقال r: )آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار((17). وقال r في
حبه الأنصار: )والذي نفسي بيده، إنكم أحب الناس إليّ .(مرتين)( (18). وعندما قام رجل من الأنصار يطلب من النبي r أن يجعل أتباعهم من الموالي والحلفاء من زمرة
الأنصار، دعا النبي r
لأتبـاع الأنصار فقال: )اللهم اجعل أتباعهم منهم((19). كما دعا r لهم
في يوم الخندق فقال: )اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فأكرم الأنصار والمهاجرة(. وفي رواية: )فاغفر للمهاجرين والأنصار((20). وعندما علم النبي r
ببكاء الأنصار عليه في مرض موته، خرج رابطاً عصابة على رأسه وصعد المنبر، ولم
يصعده بعد ذلك اليوم، وطلب من الناس أن يتجاوزوا عن الأنصار، فقال: )اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم((21). كما قال r: )الأنصار كرشي وعيبتي، والناس سيكثرون ويقلون، واقبلوا من محسنهم
وتجاوزوا عن مسيئهم((22). وكرشي وعيبتي أي بطانتي وخاصتي.
وأورد الإمام مسلم في (صحيحه) عدة أحاديث، سبق إيرادها ضمن أحاديث
الإمام البخاري، وسنقتصر على ما انفرد بها الإمام مسلم، منها: قوله r: )اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار،
ولذراري الأنصار، ولموالي الأنصار((23). كما أورد مسلم أن النبي r رأى
صبياناً ونساءً من الأنصار مقبلين من عرْس، فقام، ثم قال: )اللهم ! أنتم من أحب الناس إليّ، أنتم من أحب الناس إليّ ( (24). والأحاديث في مناقب الأنصار عديدة(25).
وردت لبعض رجال الأنصار
فضائل عديدة، ومناقب جمة، ونزلت فيهم آيات قرآنية، ووردت فيهم أحاديث نبوية، من
أشهرهم : سعد بن معاذ، وأُسيد بن حُضير، وعبّاد بن بشْر، ومعاذ بن جبل، وسعد بن
عبادة، وأُبي بن كعب، وزيد بن حارثة، وأبو طلحة الأنصاري، وعبد الله بن عمرو بن
حرام(26).
أشهر بيوت الأنصار الذين مدحهم النبي r، ما ورد في (الصحيح) أن رسول الله r قال: )خير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو الحارث ابن
الخزرج، ثم بنو ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير((27). عنى خير الأولى التي وردت في الحديث أي الأفضل، وخير الثانية اسم،
أي أن الفضل حاصل في جميع الأنصار وإن تفاوتت مراتبه(28).
من أشهر قبائل الأنصار: بنو النجار، وبنو الحارث، وبنو زَرَيق، وبنو
سلَمة. وهؤلاء من الخزرج. وبنو عبد الأشهل، وبنو عمرو بن عوف، وهؤلاء من الأوس(29).
مآثر الأنصار في خدمة الإسلام، منثورة في المصادر التاريخية وكتب
التراجم والطبقات، فأظهرت مناقبهم العظيمة، كالإيثار، والأخوة، والبذل، والعطاء،
والنفقة، والكرم، والنجدة، والشجاعة، والمروءة، والتضحية. فعلى سبيل المثال. ذكر
ابن سعد في (طبقاته) طبقة الأنصار، وأقسامهم، ومكانتهم، وتتبع سيرهم منذ إسلامهم
إلى وفاتهم. كما بيّن ابن سعد تباين مراتب الأنصار، فأنصار العقبة الأولى
والثانية، لهم مكانة أكبر من الأنصار الذين أسلموا بعدهم(30).
كان للأنصار أدوار عديدة في نصرة الإسلام،
ابتداءً من بيعة العقبة الأولى، وبيعة العقبة الثانية، واستقبالهم رسول الله r بالمدينة ونصرته، وبالمشاركة معه في بناء
الدولة الإسلامية، كبناء المسجد النبوي الشريف. كما برزت أدوارهم من خلال خوضهم
الغزوات والسرايا مع النبي r
كغزوة بدر، وأحد، والخندق. وبرزت أدوارهم
أيضاً في الفتوحات الإسلامية التي شاركوا فيها في عهد الخلفاء الراشدين، ومن بعدهم(31).
وبرزت أدوارهم بوضوح من خلال المناصب الإدارية التي تولوها، والولايات التي
أُعطوها، والقيادة العسكرية التي تسنّموها، والمهام السياسية التي كلفوا بها، في
عهد النبي r، وفي
عهد خلفائه الراشدين (32).
*******
الهوامش:
- إسماعيل بن حماد الجوهري، الصحاح
في تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق: أحمد عبدالغفور عطار، ط2، جـ2(
القاهرة: حسن شربتلي، 1402هـ/1982م)،829.
- الأوس والخزرج قبيلتان
عربيتان، هاجرتا من اليمن واستوطنتا يثرب، وقد لعبتا دوراً كبيراً في نصرة
النبي r ونشْر الإسلام، في
أول أمر الدعوة فأطلقت عليهم تسمية الأنصار. فهم الذين تبايعوا مع النبي r في بيعة العقبة الأولى والثانية، ونشروا الإسلام بيثرب
واستقبلوا الرسول r
وأكرموه وآووه ونصروه.
- أحمد بن علي بن حجر
العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، تحقيق: عبد القادر شيبة
الحمد، جـ7 (الرياض: عبد القادر شيبة الحمد،142هـ/2001م)، 135؛ محمد
عبدالرحمن المباركفوري ، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، جـ 10
(بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت)، 272-273.
- ابن حجر،جـ7 ، 135.
- علي سبيل المثال انظر: عز
الدين علي ابن الأثير، الكامل في التاريخ، جـ1(بيروت: دار صادر، د.ت)،
655.
- محمد العيد الخطراوي، المدينة
في العصر الجاهلي ( دمشق: مؤسسة علوم القرآن،1403هـ/1982م)، 39-41.
- انظر تفسير الآية: إسماعيل
ابن كثير، تفسير ابن كثير، ج2،
(د.م: دار الفكر،1400هـ/1980م)، 384.
- سورة التوبة، الآية 100.
- سورة الحشر، الآية 9.
- ابن كثير،جـ 4، 338.
- انظر: ابن كثير، ج4، 339؛
ابن حجر، جـ7، 148.
- سورة الأنفال، الآية 72.
- ابن كثير، جـ2، 329.
- ابن حجر، جـ7، 135-137.
- ابن حجر، ج7 ، 137
؛المباركفوري، جـ10 ،273 -274.
- ابن حجر، جـ7، 139.
- ابن حجر، جـ7، 139.
- ابن حجر، جـ7، 140.
- ابن حجر، جـ7، 141.
- ابن حجر، جـ7، 146.
- ابن حجر، جـ7، 148.
- ابن حجر، جـ7، 149.
- محي الدين النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج،
تقديم: خليل مأمون شيحا، ط7، جـ16(بـيروت: دار المعرفة، 1421هـ/ 2000م)، 283.
- مسلم بشرح النووي، جـ 16،
283.
- أورد الترمذي في أبواب
المناقب أحاديث عديدة في مناقب الأنصار يمكن الاطلاع عليها.انظر:
المباركفوري، جـ10، 272 وما بعدها.
- للاستزادة عنهم
انظر:البخاري، كتاب مناقب الأنصار، ابن حجر، جـ7، 151 وما بعدها؛ مسلم بشرح
النووي، كتـاب: فضائل الصحابة، جـ16، 237 ومابعدها.
- ورد الحديث بعدة ألفاظ،
انظر: البخاري، كتاب مناقب الأنصار، ابن حجر، جـ7، 141؛ انظر: كتاب فضائل
الصحابة، باب: في خير دور الأنصار، جـ16 ، 285.
- ابن حجر، جـ7، 150 – 151.
- إسماعيل بن عمر بن كثير،
عماد الدين، البداية والنهاية في التاريخ، جـ2 (بيـروت: دار الفكر،
1416هـ/ 1996 م)، 546-548 ؛ نور الدين علي السمهودي، وفاء الوفا بأخبار المصطفى،
تحقيق: قاسم السامرائي، جـ1(لندن: مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي فرع موسوعة
مكة المكرمة والمدينة المنورة،1422هـ/2001م)، 402-404.
- محمد بن سعد، الطبقات
الكبرى، (بيروت: دار صادر، 1405هـ/1985م)، 419 وما بعدها .
- ابن كثير، جـ2، 523-529،
535-541؛ السمهودي، جـ1، ،391 – 393، 402-404.
- للاستزادة عن ذلك، راجع:
زكية بحراوي، دور الأنصار في بناء الدولة الإسلامية حتى نهاية عهد الخلفاء
الراشدين، رسالة دكتوراه،(جدة: جامعة الملك عبدالعزيز،1425هـ/2004م)،
232- 248 .
إعداد
: د. إبراهيم بن يوسف الأقصم/ جدة
باحث في موسوعة مكة المكرمة
والمدينة المنورة
تعليقات
إرسال تعليق