منارة باب السلام

 

منارة باب السلام:

تقع منارة باب السلام في الجهة الغربية من المسجد النبوي عند باب السلام، وبالتحديد في الركن الجنوبي الغربي من المسجد.

بنيت هذه المنارة في بداية القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، على الأرجح؛ ولم تكن موجودة منذ القرن الأول الهجري/ السابع الميلادي، كما يزعم بعض المؤرخين، من أن الخليفة الأموي، سليمان بن عبدالملك، وقيل مروان بن الحكم، أمر بهدمها(1). فهذه المنارة لم تحل محل منارة سابقة، وهو ما أكده ابن فرحون المعاصر للحدث، (ت769هـ/1367م)، حيث لم ير أثراً لما ذُكر من وجود منارة قبلها(2). وقد ردّ السمهودي قول ابن فرحون، وذكر أنه لا يشترط أن تكون للمنارة السابقة أساس، ويحتمل أنها كانت على باب المسجد أو سطحه، مما يلي دار مروان(3).

يذهب الباحث الشهري إلى ما أكده ابن فرحون من أنه لم تكن هناك منارة سابقة في المكان الذي بنيت فيه منارة باب السلام؛ إذ ليس من المعقول أن يهدم الخليفة الأموي سليمان بن عبدالملك منارة تطل على سكنه، وهي دار مؤقتة بنيت في موسم الحج، كما أن سقف المسجد المصنوع من الخشب، لم يكن ليتحمل ثقل منارة طولها 50 ذراعاً(4).

بالتحديد كان بناء هذه المنارة سنة 706هـ/1306م في عهد السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون(5).

وبناء هذه المنارة جاء بعد تفكير، وتخطيط، وجهد، قام به شيخ الخدام بالحرم المدني، كافور المظفري الذي كان يعرف بالحريري (ت711هـ/ 1311م)(6). وذكر ابن فرحون أن المظفري كان حريصا على بناء هذه المئذنة قبيل عصر السلطان المملوكي الناصر محمد، حيث التقى بالأميرين المملوكيين سلار(المنصوري) وبيبرس(الجاشنكير) في أثناء رحلتهما للحج سنة 703هـ/1303م؛ وكان للمظفري فضلٌ عليهما، فعرض أمر البناء عليهما، دون أن يكلفهما نفقة، فوافقا له على ذلك(7).  

فاستأذن المظفري، السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون، في جمع المال الخاص لبناء المنارة، من بيع الفوانيس (قناديل المسجد الحرام)، وكان ذلك سنة 705هـ/1305م كما ذكر ابن كثير(8).       وقد تأخر ردّ السلطان على طلب المظفري؛ نظراً لاختلاف علماء مصر في مسألة جواز بيع قناديل المسجد النبوي؛ إذ كرهها ابن السبكي واستقبحها، وأجازها بعض، إذا استخدم المال في عمارة المسجد (9).

على كل حال، ذكر ابن كثير أن المظفري باع قنديلين من ذهب قيمة زنتهما ألف دينار، فصرف من قيمتهما على حفر أساس المنارة وتجهيز مؤونتها(10).

شرع المظفري في إعداد المواد اللازمة لبناء المنارة، كالحجارة، وغيرها، وخلال حفر مكان الأساس وصل القائمون على الحفر إلى باب قديم على بعد قامة، وهو باب مروان بن الحكم، الخليفة الأموي، ووجدوا بقايا من الرمل الأسود الذي كان في عهده. ثم حفروا حتى وصلوا إلى الماء، فشرب المظفري ومن معه. ثم شرع في العمل إلى أن جاء العمال الذين أرسلهم السلطان من مصر. وكان قد حدث خلاف بين رئيس العمال، وشيخ الخدام كافور. فقد كان رئيس العمال يرى أن الأساس الذي كان قد تم وضعه ضعيف، ولا بد من هدمه، فلم يطاوعه كافور، واختلف معه؛ فعاد إلى مصر وترك خلفه بقية العمال؛ فواصل كافور عملية البناء، حتى أتمه في أحسن بناء(11).

كانت هذه المنارة تمثل قوة في إبلاغ نداء الحق، حيث يصل مداها إلى أقصى الغرب، فقد ذكر ابن فرحون المعاصر أن رئيس المؤذنين بالمسجد، محمد بن إبراهيم العسقلاني، قال له: "لو تركت لي هذه المئذنة لكفت المدينة"(12).

الطراز الفني لهذه المنارة يعد من الطراز المصري الذي كان سائداً في العصر المملوكي(13).

بقيت منارة باب السلام على ماهي عليه، حتى جاء العهد العثماني. ففي عهد السلطان عبدالمجيد الأول(1255-1277هـ/1839-1860م)، قام بترميم جميع المنائر، ومنها منارة باب السلام؛ حيث جدد الجزء العلوي منها بعد أن هدمه وزاده شرفتين(14).

بقيت هذه المنارة، الأثر الوحيد من المنائر العثمانية، إلى الآن. وتتكون من ثلاثة أجزاء رئيسة:

-  الجزء السفلي، مربع القطاع طول ضلعه أربعة أمتار تقريبا، ويمتد ارتفاعه من الأرض إلى ما فوق سطح المسجد، بحوالي عشرة أمتار، أي أن ارتفاع هذا الجزء من المنارة، حوالي 24 مترا تقريباً. وفي كل ضلع منه أربع فتحات مستطيلة لإضاءة السلم الداخلي للمنارة، وفي نهايته شرفة مربعة الشكل، محمولة على ثلاثة صفوف، من المقرنصات المتدرجة. ويحيط بالشرفة سياج من أعمدة الحديد غير المزخرفة.

-  الجزء الأوسط، وهو يعلو الشرفة، مثمن الشكل، خال من الفتحات، يعدل ارتفاعه، ثلث الجزء السفلي تقريباً. وفي نهايته شرفة مدورة محمولة على16 فصًا من الكوابيل المنحوتة بمهارة فائقة.

-   الجزء الثالث العلوي، وهو أسطواني الشكل يعدل تقريبا نصف الجزء المثمن، ويخلو من الفتحات كسابقه، وفي نهايته جوسق (ترس) مخروطي الشكل، يعدل ارتفاعه ضعفي الجزء الأسطواني، وأعلاه متوج بهلال مقفل يبرز من خلال التفافيح المختلفة الأجسام. وهكذا يتبين أن طول المنارة يبلغ تقريباً(اثنين واربعين) مترا(15).

شكل المنارة كان على رسم منائر الأستانة، وشبيهة بالمنارتين العثمانيتين (المجيدية والعزيزية) (16).

      بالرغم من طول هذه المنارة، إلا أنها أقصر المنارات التي بنيت في العهد العثماني بعد منارة باب الرحمة، وبالرغم من جمالها المعماري؛ إلا أنها غير متناسقة الأجزاء، بالإضافة إلى تباين الحليات المعمارية التي تحمل شرافاتها، إذا ما قورنت بمثيلاتها، المجيدية والعزيزية. أي أنها من ابتكارات فن الباروك العثماني، المنتشر في مساجد إستانبول (17).

      في العهد السعودي، تم ترميم هذه المئذنة، ضمن مشروع توسعة وعمارة المسجد النبوي في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز(18).


الهوامش

1. انظر كلام المؤرخين، (كابن زبالة، وغيره)، السمهودي، نورالدين علي، وفاء الوفا بأخبار المصطفى، تحقيق: قاسم السامرائي، جـ2 (لندن: مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي فرع موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة،1422هـ/2001م)، 282.

2. ابن فرحون،محمد بن عبدالله، تاريخ المدينة، (المدينة: دار المدينة المنورة، 1417هـ/1996م)، 42- 43.

3.   السمهودي، جـ2، 282.

4. الشهري، عمارة المسجد النبوي منذ إنشائه حتى نهاية العصر المملوكي، (القاهرة: دار القاهرة، 2001م)، 123- 124.

5.   ابن فرحون، 43.

6. ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، جـ3، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1418هـ/1997م)،  158.

7.   ابن فرحون،  42.

8. ابن كثير، أبي الفداء إسماعيل، البداية والنهاية، جـ9( بيروت: دار الفكر، 1416هـ/1996م)، 284.

9.  نقل الشهري رأي ابن السبكي في مسألة بيع قناديل الحرم النبوي الشريف، من كتابه(تنزيل السكينة على قناديل المدينة) حيث استقبحها واستكرهها. الشهري، عمارة المسجد النبوي، 249 ، حاشية 2.

10.                      ابن كثير، جـ9، 284.

11.                      ابن فرحون، 43؛ السمهودي، جـ2، 281-282.

12.                      ابن فرحون، 43.

13.       موسى، علي، رسائل في تاريخ المدينة، تحقيق: حمد الجاسر (الرياض: دار اليمامة، 1392هـ/1972م)، 62.

14.                      الشهري، عمارة المسجد النبوي، 250.

15.       انظر: (صورة 13) و (شكل 26) محمد الشهري، المسجد النبوي الشريف في العصر العثماني، (القاهرة: دار القاهرة، 2003م)، 183 – 184.

16.                      علي بن موسى، 61.

17.                      الشهري، المسجد النبوي الشريف في العصر العثماني، 184.

18.       انظر: صورة (44)من كتاب : كعكي، عبدالعزيز، معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ – معالم التطور العمراني والتقدم الحضري للمدينة المنورة، جـ2 (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1419هـ/ 1998م)، 230.

 

 

 

إعداد : د. إبراهيم بن يوسف الأقصم/ جدة

باحث في موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ثورة عبدالله بن الزبير رضي الله عنه

مدرسة دار الحديث المدنية الأهلية الخيريه

قبيلة خُزاعة ودورها التاريخي