حاملو ألوية الرسول صلى الله عليه وسلم
اللواء، الراية. جمعه ألوية، ولا يمسكها
إلا صاحب الجيش. وهي علامة، يُشهر بها في الناس، ويُشهر بها المكان أيضا. وقد جاءت
السنة بعدة أحاديث، ذكرت فيها اللواء، منها، أن النبي r
هو صاحب اللواء يوم القيامة (1).
والألوية والرايات، والعلم والأعلام، تسميات
لها دلالات تاريخية حربية، ومضامينها محل اختلاف الباحثين، بسبب اختلاف استخداماتها
العسكرية والحربية والإدارية. وقد تعددت أنواع الرايات فيما بعد، وصارت لها أسماء
وأشكال مختلفة، كما كتبت عليها عبارات متعددة(2).
الحديث عن الألوية لا يرتبط بمفهوم لغوي
فيه اختلاف؛ لأن الراية واللواء قد يكون معناهما واحدا(3)، ويختلف المدلول
إذا اجتمعا في معركة واحدة؛ فإذا اجتمعت كان اللواء هو الأكبر، والراية تنطوي
تحته، فاللواء، يوضع على رمح ويُلوى حوله، ثم يرفع في المعركة (4).
اللواء هو الرمز، أو الإشارة التي تستخدم
لخوض المعركة؛ أو من خلال هزها، أو تحريكها يمنة ويسرة. ويحملها الأمير، أو نائبه،
أو يحملها من عُرف بالشجاعة والتضحية، وهي مصدر قوة الجيش. والألوية استخدمها
العرب منذ العصر الجاهلي، إذ كان لكل قبيلة راية تنصب للحرب. واستخدمها r،
في غزواته وسراياه. ففي غزوة بدر الكبرى،
كانت رايته يومذاك نسيجا أسود، هو مرط عائشة، رضي الله عنها، وكان مرفوعا على رمح(5).
ذكر ابن القيم أن راية النبي r
كانت سوداء، وكان اسمها (العقاب)، وكانت له أيضا ألوية صفراء، وبيضاء،
وربما اختلطت بالأسود(6).
كان r
يقود
الغزوة بنفسه، لكنه يعقد اللواء لبعض القواد، كما كان r
يعقد الألوية للأمراء. كان النبي r يعقد الألوية لأكثر
من واحد، في معركة واحدة؛ فقد أعطى في غزوة بني المصطلق، راية إلى أبي بكر الصديق t
، ليرفع لواء المهاجرين، وأعطى راية لسعد
بن عبادة t
ليرفع لواء الأنصار. وفي غزوة الخندق أعطاها لزيد بن حارثة الذي رفع لواء
المهاجرين، وسعد بن عبادة t ليرفع لواء الأنصار(7).
كما أعطى r الراية
لثلاثة متتاليين، كما كان في غزوة مؤتة، عندما عقدها لثلاثة من الصحابه، هم: زيد
بن حارثةt، ثم عبدالله بن رواحة t،
ثم جعفر بن أبي طالب t، وكانت توجيهاته r أن
يحل التالي محل سابقه، في حالة حدوث مكروه لصاحب اللواء، كما أوردته المصادر(8).
من المفيد جدا أن نبين أنه قد يجتمع
لواء وراية في معركة واحدة، كدليل على وجود فرقا بينهما، ففي معركة خيبر كان
اللواء بيد علي بن أبي طالب t، ابن عم الرسول r
، بينما كانت هناك عدة رايات، فقد عقد r راية للحباب بن المنذر، وراية أخرى لسعد بن
عبادة. وحصل هذا في غزوة ذات السلاسل، إذ استدعى الرسول r،
عمرو بن العاصt،
وعقد له لواء أسود، وجعل معه راية بيضاء. كما أنه r
عقد عدة ألوية ورايات في غزوة فتح مكة، قبيل وصوله مكة(9).
أول لواءين في الإسلام، عقدهما r ،
كان الأول منهما لحمزة بن عبدالمطلب t
عمه ، في غزوة ودان (الأبواء). واللواء الآخر عقده r
لعبيدة بن الحارث t حين أرسله r لتتبع
قريش والتجسس عليها في رابغ(10). وكان أبو عمارة، حمزة بن عبدالمطلب t
مقداما شجاعا، سماه r (أسد الله)، واعتمد عليه في عدة غزوات، وحمّله
فيها الراية، كغزوة بني قينقاع، وقد استشهد في غزوة أحد مغدورا، فحزن عليه r،
حزنا شديدا لم يحزنه على أحد، وسماه(سيد الشهداء)(11).
من الجدير بالقول أنه يصعب على الباحث،
حصر حملة الألوية والرايات بدقة؛ لأن السرايا والغزوات، اختلفت المصادر في
أمرائها، وأعدادها، كما اختلفت في ذكر أسماء من حملوا الرايات، فضلا عن أن بعض
الغزوات والسرايا، كانت صغيرة العدد، فيكون الأمير هو صاحب اللواء أحيانا. وبعض
السرايا لم يحدث فيها قتال، وبعض السرايا، كانت لجمع الزكاة(12).
من أشهر حملة الألوية
والرايات الذين اختارهم r في غزواته وسراياه:
- علي
بن أبي طالب t،
ابن عم الرسول r،
من أوائل الداخلين في الإسلام، ومن المبشرين بالجنة، ورابع الخلفاء الراشدين، ومشهود
له بالإقدام والقوة، وحمل عدة رايات، في عهد النبي r،
منها غزوة بدر الكبرى، وحملها أيضا في غزوة أحد بعد مقتل مصعب بن عمير t،
وحملها
في غزوة خيبر، بعد أن قال فيه r: "لأعطين الراية غدا، رجلا يحبه الله،
ويحبه رسوله" . كما حملها في غزوة بني سليم، وغزوة ذي قرقرة، وغزوة بني
النضير(13). كما حملها في عدة
سرايا، جهة طيء، ومذحج، وغيرها(14).
- مصعب
بن عمير t، من المهاجرين الأوائل، القارئ المقرئ،
الفقيه، حمل راية النبي r، في
غزوة بدر الكبرى، وفي غزوة أحد. وكان ممن أبلى بلاء حسنا في غزوة أحد؛ إذ كان
رافعا الراية فقطعت يده اليمنى، فحملها بيده اليسرى، فقطعت، ثم طعن حتى استشهد في
هذه الغزوة، ولم يجدوا ما يغطوا به جسده ، فكان كلما غطوا رأسه بنمرة أو حبرة،
بانت قدماه، وإذا غطوا قدماه بان رأسه(15).
- سعد
بن عبادة بن دُلبم الأنصاري t، سيد الخزرج، كان النبي r،
يستشيره في العديد من الأمور، خاصة الحربية، كان r،
قد دفع إليه لواء الأنصار، فحمل الراية في غزوة بني المصطلق، والخندق، وفتح مكة(16).
-
أبو بكر الصديق عبدالله
بن قحافة t.
وهو أول من أسلم، ورفيق الرسول r، في الغار و الهجرة، وأول المبشرين بالجنة،
وأول خليفة في الإسلام، وكان مقربا من النبي r،
إذ كان زوج ابنته عائشة رضي الله عنها، رفع لواء المهاجرين في غزوة بني المصطلق(17).
- زيد
بن حارثة t،
ٍحِب رسول الله r،
ومولاه، أهدته خديجة، رضي الله عنها، للنبي r،
ليخدمه. وهو من أوائل الداخلين في الإسلام. استشهد في غزوة مؤتة، إذ كان أميرها،
وحاملا لرايتها(18). وقد حمّله r،
الراية في عدة سرايا أخرى سُميت باسمه(19).
- أسامة
بن زيد بن حارثة t،
حب وابن حب رسول الله r (20)، كان القائد على جيش فيه كبار الصحابة، وقد أمره r
بالتوجه إلى البلقاء بأطراف الشام، ثم مات r،
فخلفه أبو بكر t فأنفذ حملة أسامة، بالرغم
من معارضة بعض كبار الصحابة لإمارته لصغر سنه، لكن أبا بكر t
أنفذ وصية النبي r (21).
- خالد
بن الوليد t،
من صناديد قريش في الجاهلية والإسلام، أسلم قبل الفتح، كان ممن حمل الراية في غزوة
مؤتة، بعد استشهاد أميرها زيد بن حارثةt ، ثم حملها عبدالله بن رواحة t،
ثم حملها جعفر بن أبي طالب t، وتمكن خالد بجنكته العسكرية أن يجنب المسلمين
هزيمة، كادت تبيدهم(22). إذ قام بالانسحاب بطريقة استراتيجية، أُعجب
بها r.
وسماه (سيف الله المسلول). وقد أمّره r على مجموعة من الغزوات
والسرايا (23)، لكنانة، ناحية يلملم، وجهة نجران (24).
- عمرو بن العاص t.
أسلم عام الفتح، وقيل قبله، وهو الأرجح، أمرّه r
على كبار الصحابة، في غزوة ذات السلاسل، كما قاد عدة سرايا (25).
الهوامش
1. ابن الأثير، المبارك بن محمد الجزري، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق:
خليل شيحا، جـ2(بيروت: دار المعرفة، د.ت)، 621، مادة: لوا.
2. الخطيب، مصطفى عبد الكريم، معجم المصطلحات
والألفاظ التاريخية (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1416هـ/1996م)،
204؛ عواد، محمود أحمد، الجيش والقتال في صدر الإسلام، (الزرقاء الأردن:
مكتبة المنار، 1407هـ/1987م)200– 202.
3. الخطيب،
204.
4. عواد،
202 – 203.
5. الخطيب،
204؛ عواد، 200 – 203.
6. ابن
قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر، زاد المعاد في هدي خير العباد، تحقيق: شعيب
وعبد القادر الأرناؤوط، ط 3، جـ1(بيروت: مؤسسة الرسالة، 1422هـ/2001م)، 127.
7. عواد،
208.
8. ابن
عبدالبر، يوسف بن عبد
الله، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، تحقيق: عادل مرشد (عمّان: دار الأعلام،
1423هـ / 2002م)، 109 ، 244.
9. عواد، 208.
10.
ابن عبد البر، 135،
466.
11.
ابن عبد البر، 135 -
137.
12.
الشامي، محمد بن يوسف، سبل الهدى والرشاد،
تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود، جـ 6(بيروت: دار الكتب العلمية، 1414هـ/1993م)،
3.
13.
ابن عبدالبر، 522-
542.
14.
خطاب، محمود شيت
وآخرون، إقتباس النظام العسكري في عهد النبي r
(قطر:نشر المؤتمر العالمي للسيرة والسنة النبوية، د.ت) 72، 90 ، 92.
15.
ابن عبد البر، 698 -
699.
16.
ابن عبدالبر، 280 –
283.
17.
ابن عبدالبر، 373 –
380.
18.
ابن عبدالبر، 242-
244.
19.
خطاب، 70.
20.
ابن عبد البر، 46 –
47.
21.
الشامي، جـ 11، 341.
22.
ابن عبدالبر، 109
، 244.
23.
الشامي، جـ11، 342-
343.
24.
خطاب، 84- 86.
25.
ابن عبدالبر، 496-
497؛ خطاب، 82 ، 89.
إعداد : د. إبراهيم بن يوسف الأقصم/ جدة
باحث
في موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة
تعليقات
إرسال تعليق