من العادات والعبادات الجاهلية
التحَــنُّث (عبادة جاهلية):
التحنُّث: يأتي بمعنى التعبد، ويأتي بمعنى اعتزال الأصنام. يقال:
فلان يتحنث، أي يفعل فعلا يخرج به من الإثم والحَرَج، والحِنْث هو الإثم، ويأتي
بعدة معان (1).
والتحنث يأتي بمعنى التحنف، أي يتبع الحنيفية، وهي دين إبراهيم u، والفاء تبدّل ثاء في كثير من كلام العرب(2).
التحنث، كان من عبادات الجاهلية، ففي الحديث عن حكيم بن حزام، رضي
الله عنه، قال: يارسول الله، "أرأيت أمورا كنت أتحنّث بها في الجاهلية"،
وفي رواية: أتحنت (بالتاء)، أي أتقرب بها إلى الله، أي التبرر إلى الله عز وجل،
كما هو عند ابن حجر في (فتح الباري) (3).
كان النبي r،
يتحنث في غار حراء قبل نزول الوحي. أخرج البخاري في(صحيحه) باب: كيف كان بدء
الوحي، والإمام مسلم في كتاب: الإيمان، باب بدء الوحي، عن عائشة أم المؤمنين، رضي
الله عنها، أنها قالت: أول ما بُدئ به رسول الله r من الوحي، الرؤيا الصالحة(وعند مسلم الصادقة)
في النوم. وكان لا يرى رؤيا، إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبب إليه الخلاء، وكان
يخلو بغار حراء، يتحنث فيه: وهو التعبد الليالي ذوات العدد (أي الليالي الكثيرة)،
قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، رضي الله عنها، فيتزود
لمثلها، حتى جاء الحق وهو في غار حراء(4).
وقد اشتهر بالتحنث، بعض من كان على الحنفية، من عرب الجاهلية، ومنهم
عرب قريش؛ فقد أشارت المصادر إلى أنهم كانوا
يعتزلون أقوامهم، ويلجأون إلى البراري أو الكهوف، يتأملون ويتفكرون،
ويتجنبون الشرك، وغيره من المنكرات والفواحش، فلا يأكلون الذبائح التي تذبح لغير
الله، ولايشربون الخمر (5).
قبيل البعثة النبوية، كان
للمتحنثين، والذين يطلق عليهم الأحناف، أو (المتحنفون)، أدوارا وعظية، فكانوا
يذكّرون الناس، من آونة لأخرى، ومن أبرزهم:
- كعب بن لؤي بن غالب: من أجداد النبي r، كان ممن تجتمع عليه قريش، فيعظهم، ويذكرهم
بالتفكر في مخلوقات الله.
- زيد بن عمرو بن نفيل العدوي: من قريش. كان لا يأكل من ذبائح قريش،
وكان ممن يحيي المؤودة. وكان ممن تنقل في البلدان يبحث عن الدين الصحيح، فنصحه
العديد من علماء النصارى وأحبار اليهود بالبقاء على ملة إبراهيم u.
- قس بن ساعدة الإيادي: ممن اشتهر بالبلاغة والفصاحة والخطابة، فكانت
له خطب وأشعار دالة على التوحيد. أشهرها تلك التي ألقاها في سوق عكاظ، مطلعها:
"أيها الناس، اسمعوا وعوا... سماء ذات أبراج ... وليل داج .... ونهار
ساج".
- ورْقة بن نوفل بن أسد بن عبدالعزى بن قصى: وهو ابن عم خديجة بنت
خويلد، رضي الله عنها، زوج الرسول r الأولى. عاصر بداية بعثة النبي r، واستعانت به خديجة في تفسير حادثة نزول جبريل
على النبي r ، فأخبرها بأنه الناموس الذي ينزل على
الأنبياء، وبشرها بنبوة محمد r . فقد كان ممن قرأ في كتب النصرانية وتنصّر؛
قيل: إنه مات على النصرانية. لكن الراجح أنه أسلم؛ لوجود أحاديث تثبت ذلك.
- سويد بن الصامت: كان من أشراف أهل يثرب، وكان يلقب بالكامل، وكان في
شعره دلالة الإسلام. التقى مع النبي r في الحج وعرض عليه الإسلام فأُعجب به، وعاد
إلى يثرب، لكنه مات قبيل قدوم النبي r للمدينة. وهناك العديد من الشخصيات التي كانت
تميل إلى التحنث، اكتفينا بذكر أبرزهم، ويمكن الرجوع للمصادر للاستزادة عنهم(6).
الهوامش
1.
ابن الأثير، مجد
الدين، النهاية في غريب الحديث والأثر ، جـ1، ط2 (بيروت: دار المعرفة،
1427هـ/ 2006م)، 441؛ ابن منظور، جمال الدين، لسان العرب، جـ2 (بيروت: دار
صادر، د.ت)، 138- 139.
2.
ابن منظور، جـ2،
139؛ ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، فتح الباري بشرح صحيح البخاري،
تحقيق: عبد القادر شيبة الحمد، جـ1 (نشر المحقق، 1421هـ/2001م)، 31 .
3.
انظر الحديث بالنص
والشرح: البخاري، كتاب الأدب، ابن حجر، جـ10،
438.
4.
ابن حجر، جـ1، 30؛
النووي، يحيى بن شرف، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، كتاب الحج، تقديم:
خليل مأمون شيحا، ط15، جـ2 (بيروت: دار المعرفة، 1421هـ/2000م)، 372 - 376.
5.
ابن حبيب، محمد، المحبر،
(بيروت: دار الآفاق الحديثة، د.ت)، 237 ؛ ابن حبيب، المنمق في أخبار قريش،
(بيروت: عالم الكتب، 1405هـ/ 1985م)، 152- 153، 422؛ جواد، جـ6، 455، 458، 463.
6.
للاستزادة عن هؤلاء المتحنثين
الحنفاء، انظر: ابن حبيب، المحبر، 237؛ المنمق، 152-153؛ جواد علي، جـ6، 458- 510
إعداد : د. إبراهيم بن يوسف الأقصم /
جدة
باحث في موسوعة مكة المكرمة والمدينة
المنورة
*********
التصفير، عبادة جاهلية:
التصفير في اللغة: مصدر: صفّر، يصفّر. ومعناه الصوت بالفم والشفتين.
والتصفير، جاء عند العرب بعدة معاني. والمراد الحديث عنه، هي تلك العادة
التي كان يقوم بها العرب، في أثناء طوافهم بالبيت العتيق، ويظنون أنها عبادة. حيث
يقومون بالتصفير، والتصفيق؛ ليشغلوا النبي r
والمسلمين، عن القراءة والصلاة(1). وهو ماجاء موضحاً في قوله تعالى: ﭽ ﭨ
ﭩ ﭪ ﭫ
ﭬ ﭭ ﭮ ﭯﭰ
ﭱ ﭲ ﭳ
ﭴ ﭵ ﭶ ﭼ (2). وقد جاء
تفسير المكاء، عند جل المفسرين، بالتصفير. ذكر الطبري، في (جامع البيان) أقوال
المفسرين لهذه الآية، وهي: إن المشركين العرب، كانوا إذا طافوا بالبيت، يقومون
بالمكاء، والتصدية. فالمكاء هو الصفير، ويقال: مكا يمُكو مكواً ومُكاء، والمكاء:
أن يجمع الرجل يديه، ثم يدخلهما في فيه، ثم يصيح (3). كما نقل ابن كثير
في (تفسيره)، أقوال المفسرين في معنى المكاء، وأكّد أنها التصفير، وكانت قريش تطوف بالبيت، عراة،
تصفّر، وتصفّق (4).
الهوامش:
- ابن الأثير، مجد الدين، النهاية
في غريب الحديث والأثر ، جـ2، ط2 (بيروت: دار المعرفة، 1427هـ/ 2006م)،
37.؛ ابن منظور، لسان العرب، جـ10 (بيروت: دار صادر، د.ت)، 200..
- الأنفال: 35.
- الطبري، محمد بن جرير، تفسير
الطبري، تعليق : محمود شاكر، جـ9 (بيروت: دار إحياء التراث،
1421هـ/2001م)، 282 – 283.
- ابن كثير، أبي الفداء
إسماعيل، تفسير ابن كثير، جـ2 ( بيروت: دار الفكر، 1400هـ/1980م)، 309
– 310
إعداد : د. إبراهيم بن يوسف الأقصم /
جدة
باحث في موسوعة مكة المكرمة والمدينة
المنورة
*********
التعشير (عادة جاهلية):
التعشير في اللغة: مصدر عشّر، يقال عشر القوم، وعشّرهم، إذ أخذ عشْر
أموالهم. والتعشير بمعنى أخذ العشر، وليس المراد هنا. والتعشير عام، ويقيد بخاص،
كتعشير المصحف، أي تحليته بالحبر أو الألوان، وليس هذا المقصود هنا(1).
والتعشير المراد الحديث عنه، هو ماكان يقوم به بعض الناس في الجاهلية، فكنوا إذا
أراد أحدهم، دخول مكان فيه وباء، نهق عشر مرات، لتجنب الأذى أو الوباء. فالتعشير:
نهيق الحمار. يقال: عشّر الحمار تعشيرا: تابع النهيق عشرا، ووالى بين عشْر ترجيعات
في نهيقه، وهو معشّر، ونهيقه يقال له التعشير. قال عروة بن الورد:
وإني وإن
عشّرت من خشية الردى نُهاق حمارٍ
إنني لجزوع
كانوا يعتقدون أن الرجل إذا ورد أرض
وباء، ووضع يده خلف أذنه، ونهق عشر نهقات، نهيق الحمار، ثم دخلها، أمن من الوباء(2).
ذكر جواد علي، أن من أوابد اليهود، وأساطيرهم، أنهم كانوا يقولون لمن أراد دخول
خيبر: عليك بالتعشير؛ أي النهيق، ليتفادى الإصابة بالحمى. وقد اشتهرت خيبر بالحمى،
حتى قيل: "حمى خيبرية". فاليهود كانوا يزعمون أن الرجل إذا ورد أرض
وباء، ووضع يده خلف أذنه، ونهق عشر نهقات، كنهيق الحمار، ثم دخلها، أمن من الوباء(3).
الهوامش
- الموسوعة
الفقهية،
ط2، جـ12 (الكويت: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، 1407هـ/1987م)، 290-291؛
عبدالمنعم، محمد، معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية، جـ2( القاهرة: دار
الفضيلة، د.ت)، 503.
- الزبيدي، تاج العروس من
جواهر القاموس، تحقيق : إبراهيم الترزي، جـ13 (بيروت: دار إحياء التراث
الإسلامي)، 50. مادة : عشر.
- جواد علي، المفصل في
تاريخ العرب قبل الإسلام، ط2، جـ6 (بغداد: جامعة بغداد،
1412هـ/1993م)، 525.
إعداد : د. إبراهيم بن يوسف الأقصم /
جدة
باحث في موسوعة مكة المكرمة والمدينة
المنورة
*********
التبني (عادة الجاهلية):
التبني: هو اتخاذ الشخص ولد
غيره ولداً له، في الأحكام المتعلقة بالولد(1). وغلب على استعمال العرب
لفظ (ادعاء) على التبني. إذ جاء في مثل (ادعى فلان فلانا). ومنه الدعيّ. وهو
المتبنى. قال تعالى: ﭽ ﭶ ﭷ
ﭸ ﭹ ﭺ
ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ
ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆ ﮇ ﮈ
ﮉ ﮊﮋ ﮌ ﮍ ﮎﮏ
ﮐ ﮑ ﮒ
ﮓ ﮔ ﮕ
ﮖ ﭼ ا(2). ويقال
للدعيّ، ينتمي إلى قوم: مَنُوطٌ مذبذب، وسمي مذبذبا؛ لأنه لا يدري إلى من ينتمي(3).
ويقال للدعيّ (ملصقا)، والملصق هو المقيم بالحي وليس منهم بنسب (4).
كان التبني معروفا عند
العرب في الجاهلية وبعد الإسلام، فكان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه من الرجل جلَده
أو ظرفه، ضمه إلى نفسه، وجعل له نصيب ابن من أولاده في الميراث، ُينسب إليه،
فيقال: فلان بن فلان. وقد تبنى النبي r، زيد
بن حارثة t قبل
أن يشرفه الله تعالى بالرسالة، وكان يدعى زيد بن محمد، إلى أن أبطل الإسلام عادة
التبني، وأمر من تبنى أحدا، ألا ينسبه إلى نفسه، وإنما ينسبه إلى أبيه إن كان له
أب معروف؛ فإن جهل أبوه دعي (مولى) و(أخا في الدين). والحكمة في ذلك هي صيانة
الحقوق الوراثية من الضياع أو الانتقاص(5) قال تعالى: ( وما جعل
أدعياءكم أبناءكم ....) (6). ذكر القرطبي أن أهل التفسير، أجمعوا على
أن هذه الآية نزلت في زيد بن حارثة t (7).
أخرج البخاري في (صحيحة)، كتاب النكاح، باب: الأكفاء في الدين، عن
عائشة رضي الله عنها، " .. أن النبي r،
تبنى زيدا. وكان من تبنى رجلا في الجاهلية، دعاه الناس إليه وورث من ميراثه، حتى
أنزل الله عز وجل:
ﭽ ﮗ ﮘ ﮙ
ﮚ ﮛ ﮜﮝ ﮞ ﮟ
ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥﮦ
ﮧ ﮨ ﮩ
ﮪ ﮫ ﮬ
ﮭ ﮮ ﮯ ﮰﮱ
ﯓ ﯔ ﯕ
ﯖ ﯗ ﭼ فردُّوا إلى آبائهم، فمن لم يُعلم له أب كان
مولى وأخا في الدين.."(8).
قصة زيد بن حارثة t
ذكرتها العديد من المصادر. ومفادها أن زيد، سبته خيل من تهامة، من سبي الشام،
وباعته بمكة، وقيل: بسوق عكاظ، فاشتراه حكيم بن حزام بن خويلد، فوهبه لعمته خديجة،
رضي الله عنها، فوهبته للنبي r،
فأعتقه وتبناه، فأقام عنده مدة، ثم جاء عمه وأبوه يرغبان في فدائه، فقال لهما
النبي r،
وكان ذلك قبل البعث: "خيّراه، فإن اختاركما، فهو لكما دون فداء". فاختار
الرق مع النبي r، على
حريته وقومه، فقال محمد r:
"يا معشر قريش، اشهدوا أنه ابني يرثني وأرثه". وكان يطوف على حلَق قريش
يُشهدهم على ذلك، فرضي ذلك أبوه وعمه، وانصرفا(9).
ومن أشهر الأدعياء، في
الجاهلية، المقداد بن عمرو، حيث كان يطلق عليه المقداد بن الأسود، فغلب اسم التبني
على اسمه الحقيقي. وكان الأسود بن عبد يغوث الزهري قد تبناه. ومنهم، سالم مولى أبي
حذيفة t (10). ومنهم ابن هرمة، فقد كان دعيا في الخلج، وكان الخلج دعيا في قريش.
وهؤلاء غلب عليهم اسم التبني، فلا بأس إن نُودوا به كشهرة غلبت أو عادة أُلفت(11).
أما اسم زيد بن حارثة، فلا يجوز إطلاق اسم زيد بن محمد عليه، لورود النهي الخاص
بذلك.
والتبني حرمه الإسلام، بشكل قاطع. أخرج البخاري، في باب مناقب قريش،
عن أبي ذر t، أنه
سمع النبي r
يقول: "ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر بالله" (12).
الهوامش
1. الموسوعة الفقهية، ط2، جـ10 (الكويت: وزارة الأوقاف
والشئون الإسلامية، 1407هـ/1987م)، 120-121؛ عبدالمنعم، محمود، معجم المصطلحات
والألفاظ الفقهية،( القاهرة: دار الفضيلة، د.ت) جـ1، 427.
2.
الأحزاب: 4.
3.
ابن منظور، جمال
الدين، لسان العرب، جـ7 (بيروت: دار صادر، د.ت)، 420 مادة نوط.
4.
علي، جواد، المفصل
في تاريخ العرب قبل الإسلام، ط2، جـ4 (بغداد، جامعة بغدا، 1413هـ - 1993م)،
359.
5.
القرطبي، محمد بن
أحمد، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: عبد الله التركي، جـ17(بيروت: مؤسسة
الرسالة، 1427هـ/2006م)، 55- 57؛ الموسوعة الفقهية، ط2، جـ10 (الكويت:
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، 1407هـ/1987م)، 120.
6.
الأحزاب: 4.
7.
القرطبي، جـ17، 55.
8. (سورة الأحزاب: 5) ابن حجر العسقلاني، أحمد بن
علي، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، تحقيق: عبد القادر شيبة الحمد، جـ9
(نشر المحقق، 1421هـ/2001م)، 34.
9.
ابن سعد، محمد بن
سعد، الطبقات الكبرى، جـ3(بيروت: دار صادر، 1405هـ/1985م)، 41 – 42 ؛
القرطبي، جـ17، 55 – 56؛ ابن قيم الجوزية، شمس الدين، زاد المعاد في هدي خير
العباد،تحقيق: شعيب الأرنؤوط وعبدالقادر الأرنؤوط، ط3، جـ3 (بيروت: مؤسسة
الرسالة،1422هـ/2001م)، 18.
10.
ابن سعد، جـ3، 43؛
القرطبي، جـ17، 58.
11.
جواد علي، جـ4، 359.
12.
ابن حجر، جـ6، 623.
إعداد : د. إبراهيم بن يوسف الأقصم /
جدة
باحث في موسوعة مكة المكرمة والمدينة
المنورة
تعليقات
إرسال تعليق