البابليون في يثرب/ المدينة
البابليون في يثرب/ المدينة،
البابليون من أوائل الأمم القديمة التي
سكنت الأرض، وهم من قوم نوح عليه السلام، وقد كان لهم تنظيم سياسي وإداري بعد وفاة
النبي نوح عليه السلام، واستقروا بمدينة بابل، وامتد نفوذهم إلى عدة نواح. كانت
لغتهم السريانية، وكانوا على دين الإسلام، دين نوح عليه السلام. دخلت عليهم
الوثنية في عهد ملكهم نمرود بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح، وقد دعاهم نمرود إليها
فاستجابوا له. سلّط الله عليهم بأن بلبل ألسنتهم كما تقول الروايات؛ فأصبحوا لا
يعرف بعضهم كلام بعض. وفهّم الله العربية لأقوام منهم كانوا على التوحيد؛ فخرجوا
من بابل فراراً بدينهم، كعاد وطسم وجديس وعبيل وعمليق، واستوطنوا بأنحاء من
الجزيرة العربية، وعرفوا بالبابليين. وهم من العرب العاربة أو البائدة. وممن خرج
من بابل واستوطن يثرب عبيل، وقومه وهو من أحفاد نوح، ونسبت يثرب ليثرب حفيد عبيل الذي
اختطها فيما بعد (1).
اختلفت الروايات فيمن كان أسبق بالسكن بيثرب:
العماليق أم العبيليون ؟ وكلاهما من بابل. هناك روايات تؤكد أن العماليق
جاءوا بعد العبيليين بدليل أن كتب التاريخ ذكرت أن العماليق الذين خرجوا من بابل
إلى اليمن، توجهوا بعد ذلك إلى يثرب و أخرجوا بني عبيل منها إلى الجُحفة(2)،
وهو ما ذهب إليه الطبري والمسعودي(3). وهناك روايات تقول: إن العبيليين
جاءوا بعد العماليق، وهو ما أكدته رواية السهيلي وياقوت(4).
التمس
جواد علي ما يثبت وجود عبيل في التاريخ، ورجع إلى الكتابات اليونانية، وأشار إلى
وجود اسم عموبال في بعض أسفار التوراة التي تذكر أنه ابن من أبناء يقطان - أي
قحطان - يقال له عوبال. وأنه يمكن أن يكون عبيل هو عوبال(5).
أظهرت بعض الكتابات المعينية القديمة
اسم يثرب مقرونا بأحد ملوك بابل. وأقدم الكتابات التي أشارت إلى حكم البابليين
بيثرب، هو ما أشار إليه نص الملك نبونيد ملك بابل الذي سكن تيماء - شمال المدينة -
حقبة من الزمن وحكمها بين سنتي (552-554) ق.م، وفيه أن الملك نبونيد، وصل إلى يثرب(6).
والمعروف أن الملك نبونيد البابلي، خرج
من مملكته بابل، واتجه إلى تيماء التي كانت مركزا تجاريا حينذاك؛ فاستولى عليها
وعلى ما حولها من المدن؛
للسيطرة على الطرق التجارية، ثم قام بحملة
سيطرة على المدن المجاورة، كالعلا وخيبر ويثرب، واستمر حكمه لتيماء وما جاورها حوالي10
سنوات، مابين 552 و543 ق م (7).
على كل حال؛ فإن البابلين حكموا المدينة
مدة من الزمن، سواء كانوا من فرع عبيل أو عمليق.
حياة العبيليين بالمدينة كانت محدودة تكمن في
الجانب الرعوي والزراعي ولا أثر في تاريخهم لأحداث بارزة (8). أما
العماليق فقد عمروا الدور والآطام، واتخذوا النخل من الزروع، وامتد نفوذهم في
البلاد من مابين البحرين وعمان والحجاز كله، إلى الشام ومصر. واشتهروا بالقسوة
والبطش. كان ملكهم بالحجاز الأرقم بن أبي الأرقم. وكانوا عرباً، وقيل أنهم أول من
خط أو تكلم بالعربية. من أشهر قبائلهم: بنو هفّ، وبنو مطرويل، وبنو الأزرق (9).
دخل عماليق الحجاز في صراعات عديدة مع
اليهود الذين كانوا بالشام، ذكرتها الأسفار اليهودية بمبالغة مفرطة. لكن الروايات
ذكرت أن بني إسرائيل شكت إلى موسى عليه السلام بطش العماليق، فأرسل جيشا منهم
لقتالهم. وقد أظفرهم الله عليهم، فقتلوا ملكهم الأرقم بن أبي الأرقم وأسروا ابنه،
ولم يقتلوه. وخالفوا موسى عليه السلام، وعادوا إلى الشام لكنهم وجدوا موسى عليه
السلام قد مات، فرجعوا إلى يثرب، واستقروا بها(10).
الهوامش
1. محمد
بن جرير الطبري ، تاريخ الأمم والملوك، تحقيق : محمد أبو الفضل إبراهيم ، ط
2 ، جـ 1 (بيروت: د . ن ، 1387هـ / 1967م)، 207 -208؛ نورالدين علي السمهودي، وفاء
الوفا بأخبار المصطفى، تحقيق: قاسم السامرائي،جـ1 (لندن: مؤسسة الفرقان للتراث
الإسلامي فرع موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة ،1422هـ/2001م)،291-292 .
2. الجحفة:
موضع قرب رابغ بين مكة والمدينة جنوب المدينة (2
ياقوت بن عبد الله الحموي ، معجم البلدان ، ط2، جـ2( بيروت: دار صادر،
1995م) ، 111.
3. الطبري،
جـ 1 ،207 -208؛ علي بن الحسين المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق:
محمد محي الدين عبدالحميد، جـ2 (صيدا – بيروت: 1408هـ/1988م)، 148.
4. ياقوت،
جـ5، 84؛ عبد الرحمن بن خلدون، تاريخ ابن خلدون، جـ2 (دار إحياء التراث العربي، 1419هـ/1999م)، 23
؛ السمهودي، جـ1، 292.
5. جواد
علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ط2، جـ1 (بغداد: جامعة بغداد،
1412هـ/1993م)، 343 -344.
6. المفصل
، جـ4، 128؛ محمد العيد الخطراوي، المدينة في العصر الجاهلي،( دمشق: مؤسسة
علوم القرآن، 1403هـ/1982)، 21.
7. سعيد
السعيد، حملة الملك البابلي نبونيد على شمال غرب الجزيرة العربية، (الرياض:
الجمعية التاريخية السعودية، جمادى الأولى1421هـ/أغسطس 2000م)، 20-24، 55.
8.
عبد الباسط بدر، التاريخ
الشامل للمدينة، جـ1(المدينة المنورة: نشر المؤلف،1414هـ/1993م)، 28.
9.
الطبري، جـ4، 207 ؛
ياقوت، جـ5، 84؛ ابن خلدون، جـ2، 23؛ السمهودي، جـ2، 292.
10.
محمد بن محمود
النجار، الدرة الثمينة في أخبار المدينة، ط2 ( المدينة المنورة: دار
المدينة المنورة، 1418هـ/1998م)، 29-30؛ ياقوت، جـ5، 84؛ السمهودي، جـ1، 296-297.
إعداد : د. إبراهيم بن يوسف الأقصم/ جدة
باحث
في موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة
تعليقات
إرسال تعليق